الأولى - قوله تعالى : " أفمن أسس " أي أصل ، وهو استفهام معناه التقرير . و " من " بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، وخبره " خير " . وقرأ نافع وابن عامر وجماعة " أسس بنيانه " على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة{[8300]} " أسس بنيانه " على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما . وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به ، وأن الفاعل سمي فيه . وقرأ نصر بن عاصم بن علي " أفمن أسس " بالرفع " بنيانه " بالخفض . وعنه أيضا " أساس بنيانه " وعنه أيضا " أس بنيانه " بالخفض . والمراد أصول البناء كما تقدم . وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي " أفمن أساس بنيانه " قال النحاس : وهذا جمع أس ، كما يقال : خف وأخفاف ، والكثير " إساس " مثل خفاف . قال الشاعر :
أصبح الملك ثابت الأساس*** في البهاليل من بني العباس{[8301]}
الثانية - قوله تعالى : " على تقوى من الله " قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين ، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون ، وقال الشاعر{[8302]} :
يَسْتَنُّ فِي عَلْقًى وفِي مُكُورِ{[8303]}
وأنكر سيبويه التنوين ، وقال : لا أدري ما وجهه . " على شفا " الشفا : الحرف والحد ، وقد مضى في ( آل عمران{[8304]} ) مستوفى . و " جرف " قرئ برفع الراء ، وأبو بكر وحمزة بإسكانها ، مثل الشغل والشغل ، والرسل والرسل ، يعني جرفا ليس له أصل . والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية ، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء ، وأصله من الجرف والاجتراف ، وهو اقتلاع الشيء من أصله . " هار " ساقط ، يقال . تهور البناء إذا سقط ، وأصله هائر ، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها ، فيقال : هار وهائر ، قاله الزجاج . ومثله لاث الشيء به إذا دار ، فهو لاث أي لائث . وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح{[8305]} . قال العجاج :
الأشاء النخل ، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار . ومعنى لاث به مطيف به . وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ، ثم يقال هائر مثل صائم ، ثم يقلب فيقال هار . وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأنه يقال : تهور وتهير . قلت : ولهذا يمال ويفتح .
الثالثة - قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " فاعل انهار الجرف ، كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار ؛ لأن الجرف مذكر . ويجوز أن يكون الضمير في به يعود على " من " وهو الباني ، والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى . وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق . وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . والشفا : الشفير . وأشفى على كذا أي دنا منه .
الرابعة - في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ، ويخبر عنه بقوله : " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام{[8306]} " [ الرحمن : 27 ] على أحد الوجهين . ويخبر عنه أيضا بقوله : " والباقيات الصالحات{[8307]} " [ الكهف : 46 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
الخامسة - واختلف العلماء في قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين : [ الأول ] أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أَرسل إليه فهُدم رئي الدخان يخرج منه ، من رواية سعيد بن جبير . وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة . وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان . وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا " فانهار به في نار جهنم " . وقال جابر بن عبدالله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ والثاني ] أن ذلك مجاز ، والمعنى : صار البناء في نار جهنم ، فكأنه انهار إليه وهوى فيه ، وهذا كقوله تعالى : " فأمه هاوية{[8308]} " [ القارعة : 9 ] . والظاهر الأول ، إذ لا إحالة في ذلك . والله أعلم .
ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق الحيوان ، فمن جبل من {[37208]}أول مرة{[37209]} جبلة شر لا يصلح{[37210]} للخير أبداً ولا يقبله كما قال تعالى{ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون }{[37211]}[ الأنفال : 23 ] ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلاً الباطل ببناء على حرف واد واه جداً{[37212]} على شفير جهنم : { أفمن أسس بنيانه } أي كما أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه { على تقوى من الله } أي الملك الأعلى { ورضوان } فكان{[37213]} كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول { خير أم من أسس بنيانه } على فسق وفجور وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه { على شفا } أي حرف ، ومنه الشفة { جرف } أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفاً على السقوط ، ولذلك قال : { هار } أي هائر ، من هار الجرف - إذا أشرف لتخريق السيول على السقوط { فانهار } أي فكان بناؤه لذلك سبباً لأنه سقط سقوطاً لا تماسك معه { به } أي وهو فيه آمناً من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه { في نار جهنم } فالجواب : لا شك الأول خير بل ، لا خير في الثاني أصلاً ، والعجب كل العجب من كونه بنى هذا البناء هكذا ، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله ، لا مفر من قضائه ، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه ، ولم يهد{[37214]} الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير { والله } الذي له صفات الكمال { لا يهدي القوم } أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون { الظالمين* } أي المطبوعين على ظلام البصائر ، فهم لا يكفرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات{[37215]} الماشي في الظلام ، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك : أثبت أولاً التقوى لأن أهل الإسلام أحق بها ، فدلت على حذف{[37216]} ضدها ثانياً ، وأثبت ثانياً ضعف البناء حساً لأن مسجد الضرار أولى به ، فدل على حذف ضده أولاً ، فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها ؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال : رأيت الدخان من مسجد الضرار ؛ وحكي عن خلف بن يسار{[37217]} أنه رأى فيه حجراً يخرج منه الدخان في أول دولة بني العباس .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.