الأولى - قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " قيل : هذا تمثيل ، مثل قوله تعالى : " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى{[8312]} " [ البقرة : 16 ] . ونزلت الآية في البيعة الثانية ، وهي بيعة العقبة الكبرى ، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو ؛ وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ، فقال عبدالله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : ( الجنة ) قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " الآية . ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة .
الثانية - هذه الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده ، وإن كان الكل للسيد لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه . وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين غيره ؛ لأن ماله له وله انتزاعه .
الثالثة - أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع ، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته ، وإهلاكها في مرضاته ، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك ، وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوض ولا يقاس به ، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء فمن العبد تسليم النفس والمال ، ومن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء{[8313]} . وروى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن فوق كل بِرٍّ بِرٌّ حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك ) . وقال الشاعر في معنى{[8314]} البر :
الجود بالماء جود فيه مكرمة*** والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه :
أثامن بالنفس النفيسة ربها*** وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تشتري الجنات إن أنا بعتها*** بشيء سواها إن ذلكم غبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها*** لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن
قال الحسن : ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " فقال : كلام من هذا ؟ قال : ( كلام الله ) قال : بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله . فخرج إلى الغزو واستشهد .
الرابعة - قال العلماء : كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم ؛ لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين ، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحا وأقل فسادا منهم عند ألم الأطفال ، وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة . ثم هو عز وجل يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا صاروا إليه . ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى ، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر .
الخامسة - قوله تعالى : " يقاتلون في سبيل الله " بيان لما يقاتل له وعليه ، وقد تقدم . " فيقتلون ويقتلون " قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل ، ومنه قول امرئ القيس :
أي إن تقتلوا بعضنا يقتلكم بعضنا . وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول .
السادسة - قوله تعالى : " وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن " إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب ، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه السلام . و " وعدا " و " حقا " مصدران موكدان .
السابعة - قوله تعالى : " ومن أوفى بعهده من الله " أي لا أحد أو في بعهده من الله . وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد ، ولا يتضمن وفاء البارئ بالكل ؛ فأما وعده فللجميع ، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي بعض الأحوال . وقد تقدم هذا المعنى مستوفى{[8315]} .
الثامنة - قوله تعالى : " فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به " أي أظهروا السرور بذلك . والبشارة إظهار السرور في البشرة . وقد تقدم{[8316]} . وقال الحسن : والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة . " وذلك هو الفوز العظيم " أي الظفر بالجنة والخلود فيها .
ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى{ {[37220]}ما لكم إذا قيل لكم{[37221]} انفروا }[ التوبة : 38 ] ثم الجزم بالأمر{[37222]} بالجهاد بالنفس والمال في قوله{ انفروا خفافاً وثقالاً }[ التوبة : 41 ] وكان أمره تعالى كافياً للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام في امتثاله لذلك{[37223]} في منشطه ومكرهه ، وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما يقدح في إيمانهم طمعاً في ستره بمعاذيرهم وأيمانهم ، اقتضى المقام تبكيت المتثاقلين وتأنيب{[37224]} المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم ، فلما استوفى تعالى في ذلك أقسامهم ، ونكس ألويتهم وأعلامهم ، وختمهم بهذه الطائفة التي ظهر{[37225]} فيها امتثاله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } بأن هدّ{[37226]} مسجدهم وحرقه بالنار وأزال بنيانه وفرقه ، وقدّ أديمه عن جديد الأرض ومزقه ، أتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } وقوله { انفروا خفافاً وثقالاًً } ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر{[37227]} به ، فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال : لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار القبائح ، فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر وأخذ العفو ؟ قوله : { إن الله } أي الملك الذي لا ملك في الحقيقة غيره ولا يخشى إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره { اشترى } أي{[37228]} بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة ، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال : { من المؤمنين } أي بالله وما جاء من عنده ، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على اكتساب المال فقال مقدماً للأعز : { أنفسهم } أي التي تفرد بخلقها { وأموالهم } أي التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم .
ولما ذكر المبيع أتبعه الثمن فقال : { بأن لهم الجنة } أي خاصة بهم مقصورة{[37229]} عليهم ، لا يكون لغير مؤمن ، فميزهم حتى يقابل{[37230]} كل بما يستحقه ، فكأنه قيل : اشترى منهم ذلك بماذا{[37231]} ؟ فقيل : { يقاتلون في سبيل الله } أي الملك الأعلى{[37232]} بسبب دينه الذي لا يرضي غيره ، قتالاً يكون الدين محيطاً به وظرفاً ، فلا يكون فيه شائبة لغيره ؛ ثم سبب عن ذلك{[37233]} ما هو حقيق به ، فقال : { فيقتلون و يقتلون } أعم من يكون ذلك بالقوة أو بالفعل ، فيخصهم بالجنة كما وعدهم ، وقراءة{[37234]} حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح ، لأن من طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى : فطلبوا أن يكونوا مقتولين فقتلوا أقرانهم ، ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد رؤية مصارع أصحابهم{[37235]} من غير أن يوهنهم{[37236]} ذلك ، وعن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الآية قال : بيع والله مربح ! لا نقيل ولا نستقيل ، فخرج إلى الغزو{[37237]} فاستشهد .
ولما كان القتل لكونه سبباً للجنة بشارة ووعداً ، أكد{[37238]} ذلك بقوله : { وعداً } وزاده{[37239]} بحرف الإيجاب فقال : { عليه } وأتم التأكيد بقوله : { حقاً } ولما أكد هذه المبايعة{[37240]} الكريمة هذه التأكيدات العظيمة ، زاد ذلك بذكره في جميع الكتب القديمة فقال : { في التوراة } كتاب موسى عليه السلام { والإنجيل } {[37241]}كتاب عيسى عليه السلام{[37242]} { والقرآن } أي الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير ، وهؤلاء المذكورون{[37243]} في هذه السورة كلهم ممن{[37244]} ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان{[37245]} ، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من أقوالهم ومساوىء أفعالهم فعل الكاذب في دعواه أو الشاك أعم{[37246]} من أن يكون كذب بالآخرة المشتملة على الجنة أو يكون شك في وعد الله بإيراثهم إياها أو بتخصيصهم بها ، وجوز أن يدخلها غيرهم وطمع أن يكون هو ممن يدخلها مع التكذيب ، والله تعالى منزه عن جميع ذلك وهو وفي بعهده { ومن } أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول{[37247]} فيه على طريق الاستفهام الإنكاري : من { أوفى بعهده من الله } أي الذي له جميع صفات الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم{[37248]} الذي له الغنى المطلق .
ولما كان ذلك سبباً للتبشير{[37249]} ، لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه ، قال مهنئاً لهم : { فاستبشروا } أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد بلفظ يدل على التأكيد ، ذكره في آخر بلفظ يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء فقال : { ببيعكم الذي بايعتم } أي أوقعتم المبايعة لله { به } فإنه موفيكم لا محالة فذلك هو الأجر الكريم { وذلك } أي إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها { هو } أي خاصة لا غيره { الفوز العظيم* } فالحاصل أن هذه الآية واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس والمال .