الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} (4)

قوله تعالى : " إلا الذين عاهدتم من المشركين " في موضع نصب بالاستثناء المتصل ، المعنى : أن الله بريء من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم . وقيل : الاستثناء منقطع ، أي أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتموا إليهم عهدهم . وقوله : " ثم لم ينقصوكم " يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس{[7839]} بعهده ومنهم من ثبت على الوفاء ، فأذن الله سبحانه لنبييه صلى الله عليه وسلم في نقض عهد من خاس ، وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته . ومعنى " لم ينقصوكم " أي من شروط العهد شيئا . " ولم يظاهروا " لم يعاونوا . وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار " ثم لم ينقضوكم " بالضاد معجمة على حذف مضاف ، التقدير ثم لم ينقضوا عهدهم{[7840]} . يقال : إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة . ثم قال : " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر .


[7839]:خاس عهده وبعهده: نقضه.
[7840]:في ج و ك و ز: عهدكم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} (4)

ولما أعلمهم بالبراءة وبالوقت الذي يؤذن بها فيه ، وكان معنى البراءة{[35616]} منهم أنه لا عهد لهم ، استثنى بعض المعاهدين فقال : { إلا الذين عاهدتم } أي أوقعتم بينكم وبينهم عهداً { من المشركين ثم } أي بعد طول المدة اتصفوا بأنهم { لم ينقصوكم شيئاً } أي من الأمارات الدالة على الوفاء في أنفسهم كما نقض بنو الديل من بني بكر في قتالهم لخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم { ولم يظاهروا } أي يعاونوا معاونة تظهر { عليكم أحداً } أي من أعدائكم كما ظاهرت قريش حلفاءهم من بني الديل على حلفائكم من خزاعة { فأتموا } وأشار إلى بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال{[35617]} : { إليهم عهدهم إلى مدتهم } أي وإن طالت ؛ قال البغوي : وهم بنو ضمرة حي من كنانة ، وكان قد بقي من عهدهم{[35618]} تسعة أشهر ، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا ؛ وقال النحاس : ويقال : إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة ؛ وقال أبو محمد البستي : حدثنا قتيبة قال{[35619]} : ثنا الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : كان بين بني مدلج وخزاعة عهد ، وهم الذين قال الله { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } .

ولما كانت محافظتهم على عهدهم من أفراد التقوى ، وكان الأمر بالإحسان إلى شخص من أفعال المحب ، قال تعالى معللاً : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { يحب المتقين* } أي يفعل بهم وبكم أفعال المحب ، فهو قول حاث للكل على التقوى ، وكل ينزله على ما يفهم ، فهو من الإعجاز الباهر .


[35616]:زيد بعده في الأصل: مفهم، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[35617]:من ظ، وفي الأصل : قال.
[35618]:في معالم التنزيل: مدتهم ـ راجع لباب التأويل 3/50.
[35619]:زيد لاستقامة العبارة.