الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ} (54)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى{[8051]} : " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم " " أن " الأولى في موضع نصب ، والثانية في موضع رفع . والمعنى : وما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم وقرأ الكوفيون " أن يقبل منهم " بالياء ، لأن النفقات والإنفاق واحد . الثانية - " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى " قال ابن عباس : إن كان في جماعة صلى وإن انفرد لم يصل ، وهو الذي لا يرجو على الصلاة ثوابا ولا يخشى في تركها عقابا . فالنفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة . وقد تقدم في " النساء{[8052]} " القول في هذا كله . وقد ذكرنا هناك حديث العلاء{[8053]} موعبا . والحمد لله .

الثالثة – قوله تعالى : " ولا ينفقون إلا وهم كارهون " لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما وإذا كان الأمر كذلك فهي غير متقبلة ولا مثاب عليها حسب ما تقدم .


[8051]:من ك و ج.
[8052]:راجع ج 5 ص 422.
[8053]:لعل صوابه : حديث الأعرابي.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ} (54)

ولما علل بالعراقة{[36539]} في الخروج عن الطاعة ، بينه في قوله : { وما منعهم أن تقبل } أي باطناً ، ولذا عبر بالمجرد ، ولذا بناه للمفعول لأن النافع القبول في نفس الأمر لا كونه من معين{[36540]} { منهم نفقاتهم } أي وإن جلت { إلا أنهم كفروا بالله } أي الذي له جميع صفات الكمال من الجلال والجمال لفساد جبلاتهم وسوء غرائزهم{[36541]} .

ولما كان قبول النفقات مهيئاً للطهارة التي تؤثرها{[36542]} الصلاة ، كان السياق لعدم قبولها - ليتسبب عنه النهي عن الصلاة عليهم - أبلغ لأنه أدل على الخبث ، فأكد{[36543]} كفرهم بزيادة الجار إشعاراً بأن الكفر بكل منهما على حياله مانع فقال : { وبرسوله{[36544]} } أي فسقهم بأنهم غير مؤمنين وهو السبب المانع بمفرده من القبول : ثم قدح في شاهدي ما يظهرون من الإيمان وهما الصلاة والزكاة وغيرهما من الإنفاق في الخيرات بما هو لازم للكفر ودال عليه فقال : { ولا يأتون الصلاة } أي المفروضة وغيرها { إلا وهم كسالى } أي في حال كسلهم ، لا يأتونها قط بنشاط { ولا ينفقون } أي نفقة من واجب أو غيره { إلا وهم كارهون* } أي في حال الكراهة وإن ظهر لكم{[36545]} خلاف ذلك ، وذلك كله لعدم النية الصالحة واعتقاد الآخرة ، وهذا لا ينافى طوعاً لأن ذلك بحسب الفرض أو الظاهر وهذا بحسب الواقع .


[36539]:من ظ، وفي الأصل: بالكرامة.
[36540]:زيد من ظ.
[36541]:في ظ: غرائزه.
[36542]:في ظ: تورها.
[36543]:من ظ، وفي الأصل: أكد.
[36544]:في ظ: رسوله.
[36545]:في ظ: لهم.