الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

الثانية والعشرون : قوله تعالى : " فإن عثر على أنهما استحقا إثما " قال عمر : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام . وقال الزجاج : أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله : " من الذين استحق عليهم الأوليان " . عثر على كذا أي اطلع عليه ، يقال : عثرت منه على خيانة أي اطلعت ، وأعثرت غيري عليه ، ومنه قوله تعالى : " وكذلك أعثرنا عليهم " {[6122]} [ الكهف : 21 ] . لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفي عليهم موضعهم ، وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء ، ومنه قولهم : عثر الرجل يعثر عثورا إذا وقعت إصبعه بشيء صدمته ، وعثرت إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ووقعت عليه . وعثر الفرس عثارا قال الأعشى :

بذات{[6123]} لوث عَفْرَنَاةٍ إذا عَثَرت *** فالتَّعْسُ أدنى لها من أن أقول لَعَا

والعثير الغبار الساطع ؛ لأنه يقع على الوجه ، والعثير الأثر الخفي لأنه يوقع عليه من خفاء . والضمير في " أنهما " يعود على الوصيين اللذين في قوله عز وجل : " اثنان " عن سعيد بن جبير . وقيل : على الشاهدين ، عن ابن عباس . و " استحقا " أي استوجبا " إثما " يعني بالخيانة ، وأخذهما ما ليس لهما ، أو باليمين الكاذبة أو بالشهادة الباطلة . وقال أبو علي : الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ ؛ لأن آخذه بأخذه آثم ، فسمي إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة . وقال سيبويه : المظلمة اسم ما أخذ منك ، فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر وهو الجام .

الثالثة والعشرون : قوله تعالى : " فآخران يقومان مقامهما " يعني في الأيمان أو في الشهادة ؛ وقال " آخران " بحسب أن الورثة كانا اثنين . وارتفع " آخران " بفعل مضمر . " يقومان " في موضع نعت . " مقامهما " مصدر ، وتقديره : مقاما مثل مقامهما ، ثم أقيم النعت مقام المنعوت ، المضاف مقام المضاف إليه .

الرابعة والعشرون : قوله تعالى : " من الذين استحق عليهم الأوليان{[6124]} " قال ابن السري : المعنى استحق عليهم الإيصاء ، قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه ؛ لأنه لا يجعل حرف بدلا من حرف ؛ واختاره ابن العربي ، وأيضا فإن التفسير عليه ؛ لأن المعنى عند أهل التفسير : من الذين استحقت عليهم الوصية . و " الأوليان " بدل من قوله : " فآخران " قاله ابن السري ، واختاره النحاس وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز . وقيل : النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد ذكرها صارت معرفة ، كقوله تعالى : " كمشكاة فيها مصباح{[6125]} " [ النور : 35 ] ثم قال : " المصباح في زجاجة " [ النور : 35 ] ثم قال : " الزجاجة " [ النور : 35 ] . وقيل : وهو بدل من الضمير في " يقومان " كأنه قال : فيقوم الأوليان أو خبر ابتداء محذوف ، التقدير : فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان . وقال ابن عيسى : " الأوليان " مفعول " استحق " على حذف المضاف ؛ أي استحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين فعليهم بمعنى فيهم مثل " على ملك سليمان{[6126]} " [ البقرة : 102 ] أي في ملك سليمان . وقال الشاعر :

متى ما تنكروها تعرفوها *** على أقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ{[6127]}

أي في أقطارها . وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " الأولين " جمع أول على أنه بدل من " الذي " أو من الهاء والميم في " عليهم " وقرأ حفص : " استحق " بفتح التاء والحاء ، وروي عن أبي بن كعب ، وفاعله " الأوليان " والمفعول محذوف ، والتقدير : من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها . وقيل : استحق عليهم الأوليان رد الأيمان . وروي عن الحسن : " الأولان " وعن ابن سيرين : " الأولين{[6128]} " قال النحاس : والقراءتان لحن ، لا يقال في مثنى : مثنان ، غير أنه قد روي عن الحسن " الأولان " .

الخامسة والعشرون : قوله تعالى : " فيقسمان بالله " أي يحلفان الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين ( أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق ، وأن المال الذي وصى به إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته ، وأنكما خنتما ) فذلك قوله : " لشهادتنا أحق من شهادتهما " أي يميننا أحق من يمينهما ، فصح أن الشهادة قد تكون بمعنى اليمين ، ومنه قوله تعالى : " فشهادة أحدهم أربع شهادات{[6129]} " [ النور : 6 ] . وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال : قام رجلان من أولياء الميت فحلفا . " لشهادتنا أحق " ابتداء وخبر . وقوله : " وما اعتدينا " أي تجاوزنا الحق في قسمنا . " إنا إذا لمن الظالمين " أي إن كنا حلفنا على باطل ، وأخذنا ما ليس لنا .


[6122]:راجع ج 10ص 378.
[6123]:ناقة ذات لوث أي قوة، وكذا عفرناة، والمعنى أنها لا تعثر لقوتها، فلو عثرت لقلت تعست. وقوله: (بذات لوث) متعلق ب (كلفت) في بيت قبله وهو: كلفت مجهولها نفسي وشايعني *** همي عليها إذا ما آلها لمعا (اللسان)
[6124]:قراءة نافع بالبناء للمفعول، وهي قراءة الجمهور.
[6125]:راجع ج 12 ص 255.
[6126]:راجع ج 2 ص 41.
[6127]:نفث الجرح الدم إذا أظهره، والبيت لصخر الغي. "اللسان".
[6128]:قال ابن عطية، على تثنية أول، والنصب على تقدير الأولين فالأولين في الرتبة.
[6129]:راجع ج 12 ص 182.
 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين

" فإن عثر " اطلع بعد حلفهما " على أنهما استحقا إثماً " أي فعلا ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو أوصى لهما به " فآخران يقومان مقامهما " في توجه اليمين عليهما " من الذين استحق عليهم " الوصية وهم الورثة ويبدل من آخران " الأوليان " بالميت أي الأقربان إليه وفي قراءة " الأوَّلين " جمع أول صفة أو بدل من الذين [ فيقسمان بالله ] على خيانة الشاهدين ويقولان [ لشهادتنا ] يميننا [ أحق ] أصدق [ من شهادتهما ] يمينهما [ وما اعتدينا ] تجاوزنا الحق في اليمين [ إنا إذاً لمن الظالمين ] المعنى ليشهد المحتضر على وصيته اثنين أو يوصي إليهما من أهل دينه أو غيرهم إن فقدهم لسفر ونحوه فإن ارتاب الورثة فيهما فادعوا أنهما خانا بأخذ شيء أو دفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصى له به فليحلفا إلى آخره فإن اطلع على أمارة تكذيبهما فادَّعيا دافعا له حلف أقرب الورثة على كذبهما وصدق ما ادعوه والحكم ثابت في الوصيين منسوخ في الشاهدين وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة واعتبار صلاة العصر للتغليظ وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها وهي ما رواه البخاري أن رجلا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بداء أي وهما نصرانيان فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مَخُوصا بالذهب فرفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت فأحلفهما ثم وجد الجام بمكة فقالوا ابتعناه من تميم وعدي فنزلت الآية الثانية فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا وفي رواية الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا وكان أقرب إليه ، وفي رواية فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله فلما مات أخذا الجام ودفعا إلى أهله ما بقي