الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ} (127)

فيه مسألة واحدة : قال ابن زيد : هي منسوخة بالقتال . وجمهور الناس على أنها محكمة . أي : اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا في المثلة . " ولا تحزن عليهم " ، أي : على قتلى أحد فإنهم صاروا إلى رحمة الله . " ولا تكن في ضيق " ، ضيق جمع ضيقة ، قال الشاعر :

كَشَفَ الضَّيْقَةَ عنَّا وفَسَحْ{[10104]}

وقراءة الجمهور بفتح الضاد . وقرأ ابن كثير بكسر الضاد ، ورويت عن نافع ، وهو غلظ ممن رواه . قال بعض اللغويين : الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر . قال الأخفش : الضيق والضيق مصدر ضاق يضيق . والمعنى : لا يضيق صدرك من كفرهم . وقال الفراء : الضيق ما ضاف عنه صدرك ، والضيق ما يكون في الذي يتسع ويضيق ؛ مثل الدار والثواب . وقال ابن السكيت : هما سواء ، يقال : في صدره ضيق وضيق . القتبي : ضيق مخفف ضيق ، أي : لا تكن في أمر ضيق فخفف ، مثل هين وهين . وقال ابن عرفة : يقال ضاق الرجل إذا بخل ، وأضاق إذا افتقر .


[10104]:هذا عجز بيت للأعشى. وصدره كما في اللسن وديوانه: فلئن ربك من رحمته
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ} (127)

{ واصبر وما صبرك إلا بالله } ، هذا عزم على النبي صلى الله عليه وسلم في خاصته على الصبر ، ويروى : أنه قال لأصحابه : " أما أنا فأصبر كما أمرت ، فماذا تصنعون ؟ قالوا : نصبر كما ندبنا ثم أخبره أنه لا يصبر إلا بمعونة الله " ؛ وقد قيل : إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ بالسيف ، وهذا إن كان الصبر يراد به ترك القتال ، وأما إن كان الصبر يراد به ترك المثلة التي فعل مثلها بحمزة فذلك غير منسوخ .

{ ولا تحزن عليهم } ، أي : لا تتأسف لكفرهم ، { ولا تك في ضيق مما يمكرون } ، أي : لا يضيق صدرك بمكرهم ، والضيق بفتح الضاد تخفيف من ضيق كميت وميت ، وقرئ بالكسر وهو مصدر ، ويجوز أن يكون الضيق ، والضيق مصدران .