الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " من يرتد منكم عن دينه " شرط وجوابه " فسوف " . وقراءة أهل المدينة والشام " من يرتدد " بدالين . الباقون " من يرتد " . وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم : إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا ، فكان على ما أخبر بعد مدة ، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم . قال ابن إسحاق : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مسجدا المدينة ، ومسجد مكة ، ومسجد جؤاثى{[5708]} ، وكانوا في ردتهم على قسمين : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها ، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ، قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ، فقاتل الصديق جميعهم ، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم{[5709]} وسباهم ، على ما هو مشهور من أخبارهم .

الثانية : قوله تعالى : " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " في موضع النعت . قال الحسن وقتادة وغيرهما : نزلت في أبي بكر الصديق وأصحابه . وقال السدي : نزلت في الأنصار . وقيل : هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك{[5710]} الوقت ، وأن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية ؛ وهم أحياء من اليمن من كندة وبجيلة ، ومن أشجع . وقيل : إنها نزلت في الأشعريين ، ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين ، وقبائل اليمن من طريق البحر ، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن ، هذا أصح ما قيل في نزولها . والله أعلم . وروى الحاكم أبو عبدالله في " المستدرك " بإسناده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : ( هم قوم هذا ) قال القشيري : فأتباع أبي الحسن من قومه ؛ لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع .

الثالثة : قوله تعالى : " أذلة على المؤمنين " " أذلة " نعت لقوم ، وكذلك " أعزة " أي يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم ، من قولهم : دابة ذلول أي تنقاد سهلة ، وليس من الذل في شيء . ويغلظون على الكافرين ويعادونهم . قال ابن عباس : هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد ، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته ، قال الله تعالى : " أشداء على الكفار رحماء بينهم{[5711]} " [ الفتح : 29 ] . ويجوز " أذلة " بالنصب على الحال ، أي يحبهم ويحبونه في هذا الحال ، وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له{[5712]} .

الرابعة : قوله تعالى : " يجاهدون في سبيل الله " في موضع الصفة أيضا . " ولا يخافون لومة لائم " بخلاف المنافقين يخافون الدوائر ، فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ؛ لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقاتلوا المرتدين بعده ، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى . وقيل : الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة . والله أعلم . " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ابتداء وخبر أي واسع الفضل ، عليم بمصالح خلقه .


[5708]:جؤاثا مهموز: اسم حصن بالبحرين. وفي الحديث "أول جمعة جمعت بعد المدينة بجؤاثا. "النهاية".
[5709]:في ج و ك و ز و ع: فقتلهم.
[5710]:في ك و ع: وقت نزول الآية، وهم أحياء. الخ.
[5711]:راجع ج 16 ص 292.
[5712]:راجع ج 4 ص 59 وما بعدها.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

{ من يرتد منكم عن دينه } خطاب على وجه التحذير والوعيد ، وفيه إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه ، ثم وقع فارتد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب ، وبنو مدلج قوم الأسود العنسي الذي ادعى النبوة ، وقتل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة ثم أسلم وجاهد ، ثم كثر المرتدون ، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكانت القبائل التي ارتدت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع قبائل بنو فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة ، وبنو بكر بن وائل ، وبعض بني تميم ، ثم ارتدت غسان في زمان عمر بن الخطاب ، وهم جبلة بن الأيهم الذي تنصر من أجل اللطمة .

{ فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه } روي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها ، وقال : هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري ، والإشارة بذلك والله أعلم إلى أهل اليمن ، لأن الأشعريين من أهل اليمن ، وقيل : المراد أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ويقوي ذلك ما ظهر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الجد في قتالهم ، والعزم عليه حين خالفه في ذلك بعض الناس ، فاشتد عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل الردة ، ويقوي ذلك أيضا أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر ، ألا ترى قوله :{ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وكان أبو بكر ضعيفا في نفسه قويا في الله ، وكذلك قوله :{ ولا يخافون لومة لائم } إشارة إلى من خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل الردة فلم يرجع عن عزمه .

{ أذلة على المؤمنين } كقوله :{ أشداء على الكفار رحماء بينهم }[ الفتح :29 ] ، وإنما تعدى أذلة بعلى ، لأنه تضمن معنى العطف والحنو ، فإن قيل : أين الراجع من الجزاء إلى الشرط ؟ فالجواب : أنه محذوف تقديره من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم يقاتلونهم .