الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّـٰرُ} (16)

قوله تعالى : " قل من رب السماوات والأرض قل الله " أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين : " قل من رب السماوات والأرض " ثم أمره أن يقول لهم{[9376]} : هو الله إلزاما للحجة إن لم يقولوا ذلك ، وجهلوا من هو . " قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا " هذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق وإلا لم يكن للاحتجاج بقوله : " قل أفاتخذتم من دونه أولياء " معنى ، دليله قوله : " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله{[9377]} " [ الزمر : 38 ] أي فإذا اعترفتم فلم تعبدون غيره ؟ ! وذلك الغير لا ينفع ولا يضر ، وهو إلزام صحيح . ثم ضرب لهم مثلا فقال : " قل هل يستوي الأعمى والبصير " فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ، والمشرك الذي لا يبصر الحق . وقيل : الأعمى مثل لما عبدوه من دون الله ، والبصير مثل الله تعالى : " أم هل تستوي الظلمات والنور " أي الشرك والإيمان . وقرأ ابن محيصن وأبو بكر والأعمش وحمزة والكسائي " يسوي " بالياء لتقدم الفعل ، ولأن تأنيث " الظلمات " ليس بحقيقي . الباقون بالتاء ، واختاره أبو عبيد ، قال : لأنه لم يحل بين المؤنث والفعل حائل . و " الظلمات والنور " مثل الإيمان والكفر ، ونحن لا نقف على كيفية ذلك . " أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم " هذا من تمام الاحتجاج ، أي خلق غير الله مثل خلقه فتشابه الخلق عليهم ، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم . " قل الله خالق كل شيء " أي قل لهم يا محمد : " الله خالق كل شيء " ، فلزم لذلك أن يعبده كل شيء . والآية رد على المشركين والقدرية الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق الله . " وهو الواحد " قبل كل شيء . " القهار " الغالب لكل شيء ، الذي يغلب في مراده كل مريد . قال القشيري أبو نصر : ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع ، أي سلهم عن خالق السماوات والأرض ، فإنه يسهل تقرير الحجة فيه عليهم ، ويقرب الأمر من الضرورة ، فإن عجز الجماد وعجز كل مخلوق عن خلق السماوات والأرض معلوم ، وإذا تقرر هذا وبان أن الصانع هو الله فكيف يجوز اعتداد الشريك له ؟ ! وبين في أثناء الكلام أنه لو كان للعالم صانعان لاشتبه الخلق ، ولم يتميز فعل هذا عن فعل ذلك ، فبم يعلم أن الفعل من اثنين ؟ ! .


[9376]:من ا و و و ح.
[9377]:راجع ج 15 ص 358.
 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّـٰرُ} (16)

{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 16 ) }

قل -يا محمد- للمشركين : مَن خالق السَّموات والأرض ومدبِّرهما ؟ قل : الله هو الخالق المدبر لهما ، وأنتم تقرون بذلك ، ثم قل لهم ملزمًا بالحجة : أجعلتم غيره معبودين لكم ، وهم لا يَقْدرون على نفع أنفسهم أو ضرها فضلا عنكم ، وتركتم عبادة مالكها ؟ قل لهم -يا محمد- : هل يستوي عندكم الكافر -وهو كالأعمى- والمؤمن وهو كالبصير ؟ أم هل يستوي عندكم الكفر -وهو كالظلمات- والإيمان -وهو كالنور ؟ أم أن أولياءهم الذين جعلوهم شركاء لله يخلقون مثل خَلْقه ، فتشابه عليهم خَلْق الشركاء بخلق الله ، فاعتقدوا استحقاقهم للعبادة ؟ قل لهم -يا محمد- : الله تعالى خالق كل كائن من العدم ، وهو المستحق للعبادة وحده ، وهو الواحد القهار الذي يستحق الألوهية والعبادة ، لا الأصنام والأوثان التي لا تضرُّ ولا تنفع .