الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ} (6)

قوله تعالى : " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا " أي فعادوه ولا تطيعوه . ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة ، وضمانه إضلالكم في قوله : " ولأضلنهم ولأمنينهم " {[13100]} [ النساء : 119 ] الآية . وقوله : " لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم " {[13101]} [ الأعراف : 16 - 17 ] الآية . فأخبرنا جل وعز أن الشيطان لنا عدو مبين ، واقتص علينا قصته ، وما فعل بأبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وكيف انتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده ، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا . وكان الفضيل بن عياض يقول : يا كذاب يا مفتر ، اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر . وقال ابن السماك : يا عجبا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه ! وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته ! وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " {[13102]} مجودا . و " عدو " في قوله : " إن الشيطان لكم عدو " يجوز أن يكون بمعنى معاد ، فيثنى ويجمع ويؤنث . ويكون بمعنى النسب فيكون موحدا بكل حال ؛ كما قال جل وعز : " فإنهم عدو لي " {[13103]} [ الشعراء : 77 ] . وفي المؤنث على هذا أيضا عدو . النحاس : فأما قول بعض النحويين إن الواو خفية فجاؤوا بالهاء فخطأ ، بل الواو حرف جلد . " إنما يدعو حزبه " كفت " ما " " إن " عن العمل فوقع بعدها الفعل . " حزبه " أي أشياعه . " ليكونوا من أصحاب السعير " فهذه عداوته .


[13100]:راجع ج 5 ص 388 فما بعد.
[13101]:راجع ج 7 ص 174.
[13102]:راجع ج 2 ص 209.
[13103]:راجع ج 13 ص 108 فما بعد.