دلَّت الآيةُ على أنَّ أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله لأنها بين السماوات والأرض .
{ إِلاَّ بِالحَقِّ } : أي وأنا مُحقٌّ فيه ويقال { بِالحَقِّ } : بالأمرِ العظيم الكائن إنْ الساعة لآتيةٌ يعني القيامَةَ .
قوله جلّ ذكره : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ } .
يقال الصفح الجميل الذي تذكر الزَّلَّةُ فيه .
ويقال الصفح الجميل سحبُ ذيل الكَرَمِ على ما كان مِنْ غير عَقْدِ الزَّلَّة ، بلا ذِكْرٍ لما سَلَفَ من الذنب ، كما قيل :
ويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجُرْم بلا عدِّ الذنوب من المجرم ، والإقرار بأن ، الذنب كان منك لا من العاصي ، قال قائلهم :
{ وَمَا خَلَقْنَا * السموات والارض * وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } أي الا خلقا متلبساً بالحق والحكمة بحيث لا يلائم استمرار الفساد واستقرار الشرور ، وقد اقتضت الحكمة اهلاك أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم وإرشاداً لمن بقى إلى الصلاح { وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ } ولا بد فننتقم أيضاً من أمثال هؤلاء ، فالجملة الأولى إشارة إلى عذابهم الدنيوي والثانية إلى عقابهم الأخروي ، وفي كلتا الجملتين من تسليته صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى مع تضمن الأولى الإشارة إلى وجه اهلاك أولئك بأنه أمر اقتضته الحكمة ، وفي التفسير الكبير في وجه النظم انه تعالى لما ذكر اهلاك الكفار فكأنه قيل : كيف يليق ذلك بالرحيم ؟ فأجاب سبحانه بأنه إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض .
وتعقبه المفسر بانه إنما يستقيم على قول المعتزلة ، ثم ذكر وجهاً آخر ذلك وهو أن المقصود من هذه القصة تصبير النبي صلى الله عليه وسلم على سفاهة قومه فإنه عليه الصلاة والسلام إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياءهم عليهم السلام بمثل هذه المعاملات الفاسدة هان عليه عليه الصلاة والسلام تحمل سفاهة قومه ، ثم إنه تعالى لما بين انزال العذاب على الأمم السالفة المكذبة قال له صلى الله عليه وسلم إن الساعة لآتية وان لله تعالى ينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيآتهم فإنه سبحانه ما خلق السموات والأرض وما بنيهما إلا بالعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك ، وإلى جواز تفسير { الحق } بالعدل ذهب شيخ الإسلام وأشار إلى أن الباء للسببية وإن المعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال ، وذكر أنه ينبىء عن ذلك الجملة الثانية ؛ ولعل جعل كل جملة إشارة إلى شيء حسبما أشرنا إليه أولى .
واستدل بالأولى بعض الأشاعرة على أن أفعال العباد مطلقاً مخلوقة له تعالى لدخولها فيما بينهما ، وزعم بعض المعتزلة الرد بها على القائلين بذلك لأن المعاصي من الأفعال باطلة فإذا كانت مخلوقة له سبحانه لكانت مخلوقة بالحق والباطل لا يكون مخلوقاً بالحق ، وهو كلام خال عن التحقيق { فاصفح } أي أعرض عن الكفرة المكذبين { الصفح الجميل } وهو ما خلا عن عتاب على ما روي غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفسر الراغب { الصفح } نفسه بترك الترثيب وذكر انه أبلغ من العفو وفي أمره صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام قادر على الانتقام منهم فكأنه قيل : أعرض عنهم وتحمل أذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم ، وحاصل ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم بخلق رضى وحلم وتأن بأن ينذرهم ويدعوهم إلى الله تعالى قبل القتال ثم يقاتلهم ، وعلى هذا فالآية غير منسوخة ، وعن ابن عباس .
وقتادة . ومجاهد . والضحاك إنها منسوخة بآية السيف ، وكأنهم ذهبوا إلى أن المراد بها مداراتهم وترك قتالهم ، وآثار هذا الأخير العلامة الطيبي قال : ليكون خاتمة القصص جامعة للتسلي والأمر بالمداواة وتخلصاً إلى مشرع آخر وهو قوله تعالى الآتي : { وَلَقَدْ } إلى آخره ففيه حديث الأعراض عن زهرة الحياة الدنيا وهو من أعظم أنواع الضر لكن ذكر في الكشف أن الذي يقتضيه النظم ان قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا * السموات } إلى آخره جمع بين حاشيتي مفصل الآيات البرهانية والامتنانية ملخص منها مع زيادة مبالغة من الحصر ليلقيه المحتج به إلى المعاندين ويتسلى به عن استهزاء الجاحدين وتمهيد لتطرية ذكر المقصود من كون الذكر كاملاً في شأن الهداية وافياً بكل ما علق به من الغرض القائم له بحق الرعاية ، ثم قال : ومنه يظهر أن الآية عطف على { وَمَا خَلَقْنَا } الخ عطف الخاص على العام إشارة إلى أنه أتم النعم وأحق دليل وأحق ما يشتفي به عن الغليل وان من أوتيه لا يضره فقد شيء سواه ومن طلب الهوى في غيره ترك وهواه اه فتدبر .
( ومن باب الإشارة ) :{ فاصفح الصفح الجميل } [ الحجر : 85 ] روى عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : الصفح الجميل صفح لا توبيخ فيه ولا حقد بعده مع الرجوع إلى ما كان قبل ملابسة المالفة ، وقيل : الصفح الجميل مواساة المذنب برفع الخجل عنه ومداواة موضع آلام الندم في قلبه
فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق } توجيه للناس إلى التأمل في مظاهر قدرة الله - تعالى - ، وإلى الحق الأكبر الذي قام عليه هذا الوجود ، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك ، سنته التي لا تتخلف ، وهى أن حسن العاقبة للمتقين ، وسوء المصير للمكذبين .
والحق : هو الأمر الثابت الذي تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته .
أى : وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله ، إلا خلقًا ملتبسًا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وبالعدل الذي لا يخالطه جور وبالحكمة التي تتنزه عن العبث ، وتأبى استمرار الفساد ، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل .
والمراد بالساعة في قوله - تعالى - : { وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب في الآخرة .
أى : وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه ، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله ، لآتية لا ريب فيها ، فمن فاته أخذ حقه في الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص في الآخرة ، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها في يوم الحساب .
فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا ، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة ، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى .
وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد ، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة ، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها . . .
وجملة { فاصفح الصفح الجميل } تفريع على ما قبلها .
والصفح الجميل : ترك المؤاخذة على الذنب ، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة .
أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق ، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها . . . فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحًا جميلاً ، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب . . . حتى يحكم الله بينك وبينهم .
وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه ، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه ، ومن شأن الذي يصفح عن غيره ، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له : اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وقوله - سبحانه - : { . . . فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.