قوله جل ذكره : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
" داود " اسم أعجمي ، وقيل سمي داود لأنه داوى جَرْحه ، وَرَدَ في القصة أنه قال في إحدى مناجاته : يا رب ، إني أرى في التوراة ما أعطيتَ لأوليائك وأَنبيائك من الرتب فأعطنيها فقال : إني ابتليتهم فصبروا ، فقال : إني أصبر على بلائك ، فأَعْطني ما أعطيتهم ، فأبلاه ، فوقف ، فأعطاه ما أعطاهم .
{ وَلَقَدْ آتينَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً } : تكلموا في هذا الفضل ؛ فمنهم مَنْ أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير : { أَوِّبِي مَعَهُ } : وكذلك الجبال ، وكان في ذلك تنفيس في وقت حُزْنِه وبكائه . وقيل ذلك الفضلُ رجوعُه إلى الله - في حال ما وقع له - بالتنصل والاعتذار . ويقال هو شهودُه موضِعَ ضرورته وأنه لا يُصْلِحُ أمرَه غيرُه . ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حَتى كان ليرْغبُ في متَابعته مَنْ يسمع إليه . ويقال حلاوةُ صوته في المناجاة . ويقال حُسنُ خُلقه مع أمته الذين اتبعوه ، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل . . .
قوله : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ } أمرَ الجبالَ والطيرَ بمجاوبته حتى خرَجَ إلى الجبال والصحارى ينوح على نفسهِ .
ويقال أوحى الله له : يا داود ، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك ! فقال . يا رب ، وكيف ؟ فقال : كنتَ تجيء قبلها كما يجيء المطيعون والآن تجيء كما يجيء أهل الذنوب !
يا داود ، إن أنينَ المذْنبين أحبُّ إليّ من صُراخ العابدين !
ويقال ، كان داود يقول . اللهمّ لا تَغفرْ للخاطئين ، غيرةً منه وصلابةً في الدين . . . فلما وقع له ما وقع كان يقول . اللهم اغفر للمذنبين ، فعسى أن تغفرَ لداود فيما بينهم .
ويقال لمَّا تاب الله عليه ، واجتمع الإنسُ والجنُّ والطير بمجلسه ، وَرَفع صوتَه ، وأداره في حَنَكِه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقَالوا . الصوتُ صوتُ داود والحال ليست تلْك ! فأوحَى اللَّهُ إليه هذه وَحْشةُ الزّلة ، وتلك كانت أُنسَ الطاعة . . فكان داودُ يبكي وينوح ويصيح والطير والجبالُ معه .
وَيقال ليس كلُّ مَنْ صاح وراءه معنى ، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير . . .
{ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدَِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً } . ألان له الحديدَ ، وجعل ذلك معجزةً له ، وجعل فيه توسعةَ رزقه ، ليجدَ في ذلك مكسباً ، لِيَقْطَعَ طَمَعَه عن أُمته في ارتفاقه بهم ليباركَ لهم في اتِّباعِه .
{ أَنِ اعمل سابغات } { أن } مصدرية وهي على إسقاط حرف الجر أي ألنا له الحديد لعمل سابغات أو وأمرناه بعمل سابغات ، والأول أولى ، وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة ولما كان شرط المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه وألنا ليس فيه ذلك قدر بعضهم قبلها فعلا محذوفاً فيه معنى القول ليصح كونها مفسرة أي وأمرناه أن أعمل أي أي اعمل ، وأورد عليه أن حذف المفسر لم يعهد ، والسابغات الدروع وأصله صفة من السبوغ وهو التمام والكمال فغلب على الدروع كالابطح قال الشاعر :
لا سابغات ولا جأواء باسلة *** تقي المنون لدى استيفاء آجال
ويقال سوابغ أيضاً كما في قوله :
عليها أسود ضاريات لبوسهم *** سوابغ بيض لا تخرقها النبل
فلا حاجة إلى تقدير موصوف أي دروعاً سابغات ، ولا يرد هذا نقصاً على ما قيل إن الصفة ما لم تكن مختصة بالموصوف كحائض لا يحذف موصوفها . وقئ { *صابغات } بإبدال السين صاداً لأجل الغين .
{ سابغات وَقَدّرْ فِى السرد } السرد نسج في الأصل كما قال الراغب خرز ما يخشن ويغلظ قال الشماخ :
فظلت سراعاً خيلنا في بيوتكم *** كما تابعت سرد العنان الخوارز
واستعير لنظم الحديد . وفي «البحر » هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه ويقال للدرع مسرودة لأنه توبع فيها الحلق بالحلق قال الشاعر :
وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع
ولصانعها سراد وزراد بإبدال السين زاياً ، وفسره هنا غير واحد بالنسج وقال : المعنى اقتصد في نسخ الدروع بحيث تتناسب حلقها ، وابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم من طرق بالحلق أي اجعل حلقها على مقادير متناسبة ، وقال ابو زيد : لا تعملها صغيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع ولا كبيرة فينال صاحبها من خلالها ، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس تفسيرها بالمسامير وروي ذلك عن قتادة . ومجاهد أي قدر مساميرها فلا تعملها دقاقاً ولا غلاظاً أي اجعلها على مقدار معين دقة وغيرها مناسبة للثقب الذي هىء لها في الحلقة فإنها إن كانت دقيقة اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها وإن كانت غلظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسك أيضاً ، ويبعد هذا أن إلانة الحديد له عليه السلام بحيث كان كالشمع والعجيب يغني عن التسمير فإنه بعد جمع الحلق وإدخال بعضه في بعض يزال انفصال طرفي كل حلقة بمزج الطرفين كما يمزج طرفا حلقة من شمع أو عجين والإحكام بذلك أتم من الإحكام بالتسمير بل لا يبقى معه حاجة إلى التسمير أصلاً فلعله إن صح مبني على أنه عليه السلام كان يعمل الحلق من غير مزج لطرفي كل فيسمر للإحكام بعد إدخال بعضه في بعض ، ويظهر ذلك على التفسير الثاني لقوله تعالى : { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } إذ غاية القوة كسر الحديد كما يريد من غير آلة دون وصل بعضه ببعض ، ولا يعارض ذلك ما نقل عن البقاعي أنه قال : أخبرنا بعض من رأى ما نسب إلى داود عليه السلام من الدروع أنه بغير مسامير فإنه نقل عن مجهول فلا يلتفت لمثله ، وقيل معنى { قُدِرَ * فِى السرد } لا تصرف جميع أوقاتك فيه بل مقدار ما يحصل به القوت وأما الباقي فاصرفه إلى العبادة قيل وهو الأنسب بالأمر الآتي ، وحكى أنه عليه السلام أول من صنع الدرع حلقاً وكانت قبل صفائح وروي ذلك عن قتادة .
وعن مقاتل أنه عليه السلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكراً فيسأل الناس عن حاله فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله فقال : نعم العبد لولا خلة فيه فقال : وما هي ؟ قال : يرزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده تمت فضائله فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فأثرى وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو في بعض ليل وثمنها ألف درهم .
وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » . وابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال : كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم ألفان له ولأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل الخبز الحواري ، وقيل : كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء ، وفي «مجمع البيان » عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه عمل ثلثمائة وستين درعاً فباعها بثلثمائة وستين ألف درهم فاستغنى عن بيت المال { واعملوا صالحا } خطاب لداود وآله عليهم السلام وهم وإن لم يجر لهم ذكر يفهمون على ما قاله الخفاجي التزاماً من ذكره ، وجوز أن يكون خطاباً له عليه السلام خاصة على سبيل التعظيم ، وأياً ما كان فالظاهر أنه أمر بالعمل الصالح مطلقاً ، وليس هو على الوجه الثاني أمراً بعمل الدروع خالية من عيب .
{ إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم به وهو تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به على وجه الترغيب والترهيب .
ومن باب الإشارة : { أَنِ اعمل سابغات } وهي الحكم البالغة التي تظهر من القلب على اللسان { وَقَدّرْ في السرد } [ سبأ : 11 ] أي في سرد الحديث بأن تتكلم بالحكمة على قدر ما يتحمله عقل مخاطبك ، وقد ورد «كلموا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم »
ومن هنا يصعب الجواب عمن تكلم من المتصوفة بما ينكره أكثر من يسمعه من العلماء وبه ضل كثير من الناس
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.