لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

الذي عندكم عَرَضٌ حادث فانٍ ، والذي عند الله من ثوابكم في مآلِكُم نِعَمٌ مجموعةٌ ، لا مقطعوعةٌ ولا ممنوعة .

ويقال : ما عندكم أو ما منكم أو مالكم : أفعالٌ معلولة وأحوالٌ مدخولة ، وما عند الله : فثوابٌ مقيمٌ ونعيمٌ عظيمٌ .

ويقال : ما منكم من معارفكم ومحابكم آثارٌ متعاقبةٌ ، وأصناف متناوبة ، أعيانُها غيرُ باقية ، وإنكات أحكامُها غير باطلة والذي يتصف الحقُّ به من رحمته بكم ، ومحبته لكم ، وثباته عليكم ، فصفاتُ أزلية ونعوتٌ سرمدية .

ويقال : ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فَمُعرَّضُ للزوال ، وقابلٌ للانقضاء ، وما وَصَفْنَا به أَنْفُسَا من الإقبال لا يتناهي وأفضال لا تفْنى ، كما قيل :

ألا طال شوقُ الأبرار إلى لقائي *** وإني للقائهم لأَشَدُّ شوقا

قوله : { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا . . . } : جزاءُ الصبر الفوزُ بالطِّلْبَةِ ، والظَّفَرُ بالبُغية . ومآلهم في الطلبات يختلف : فَمَنْ صَبَرَ على مقاساة مشقةٍ في الله . فعِوضُه وثوابُه عظيمٌ من قِبَل الله ، قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ } [ الزمر :10 ] .

ومَنْ صبر عن اتباع شهوةٍ لأَِجْل الله ، وعن ارتكاب هفوةٍ مخافةً لله ، فجزاؤه كما قال تعالى : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقًّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً } [ الفرقان :57 ] .

ومَنْ صبر تحت جريان حُكْمِ الله ، متحققاً بأنه بِمَرْآةٍ من الله فقد قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة :153 ] .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

قوله : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) ، ( ما عندكم ) ، مبتدأ ، وخبره ( ينفد ) . والنفاد معناه الذهاب والفناء . ونفد ، بالكسر ، ينفد ، بالفتح ، نفادا ونفودا{[2603]} . وذلك إعلان رباني داو يثير الأذهان ويبعث على طول التدبر والاعتبار . وجملة ذلك : أن ما عندكم أيها الناس من مال وزخرف وزينة على اختلاف صورها وأشكالها وضروبها ؛ فإنه داثر زائل . والأصل في ذلك أن هذه الدنيا بكليتها وبما حوته من أموال وخيرات تشتهيها الأنفس ليست إلا الحطام الذي سيفضي لا محالة إلى الفناء . لكن ما عند الله من جزاء أعده لعباده المؤمنين الصادقين الأوفياء لهو الدائم الباقي .

قوله : ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ، أي : ليثيبن الله الذين صبروا على الفاقة وأذى الكافرين ، وعلى طاعة ربهم والتزام شرعه وأحكامه يوم القيامة بجزاء أحسن من أعمالهم . أو بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها{[2604]} .


[2603]:- الدر المصون جـ7 ص 284.
[2604]:- تفسير الطبري جـ14 ص 113- 115 والدر المصون جـ7 ص 284 وتفسير البيضاوي ص 365.