السابقون مختلفون ؛ فَمِنْ سابقٍ بِصِدقِ قَدَمِه ، ومِنْ سابقٍ بصدقِ هِمَمِه .
ويقال السابقُ مَنْ ساعَدَتْه القسمةُ بالتوفيق ، وأسعَدَتْه القضية بالتحقيق ، فسبقت له من الله رحمتُه .
ويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له .
ويقال جَمَعَ الرِّضَاءُ صَفَّيْهِم : السابقَ منهم واللاحقَ بهم ؛ قال تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ } { رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } .
ويقال ليس اللاحق كالسابق ، فالسابقُ في روحِ الطلبِ ، واللاحِقُ في مقاساة التعبِ ، ومُعاناة النَّصَبِ ، وأنشدوا :
السِّبَاق السِّبَاق قولاً وفعلاً *** حَذِّروا النَّفسَ حَسْرَةَ المسبوقِ
ويقال رِضَاهُم عن اللهِ قضيةُ رضاء الله عنهم ؛ فلولا أنه رَضِيَ عنهم في آزالِه . . . فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه ؟ !
رضي الله عنهم : قبلِ طاعتهم . ورضوا عنه : بما أفاض عليهم من نعمة . بعد تصنيف الأعراب إلى مؤمنين ومنافقين ، صنف الله تعالى المجتمع كله حاضِرَه وبادِيَة إلى أربع طبقات :
الأولى : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
الثانية : المنافقون الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة والأعراب .
الثالثة : الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا .
والرابعة : الذين أرجئ الحكم في أمرهم حتى يقضي الله فيهم بقضائه . ستأتي في الآية ( 106 ) .
{ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ . . . } .
هؤلاء هم الطبقة الأولى : السابقون من المهاجرين الذين لاقوا من الشدائد والعذاب والاضطهاد ما اضطرهم إلى الهجرة ، والسابقون من الأنصار ، الذي آووا الرسول ونصروه ، والذين اتبعوهم بإحسان . هذه الطبقة بمجموعاتها الثلاث هم القاعدة الأساسية للمجتمع المسلم . هؤلاء جميعا رضي الله عنهم في إيمانهم وإسلامهم ، فقبِلَ طاعتهم وسيجزيهم أحسنَ الجزاء ، ورضوا عنه بالاطمئنان إليه ، والثقة بقدَره .
ولذلك { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم } .
وهذا الوعدُ الكريم من رب العالمين هو الذي يستبشر به أولئك المسلمون . . إنه جنات تجري الأنهار تحت أشجارها ، فينعمون فيها نعيماً أبديا ، وأيّ فوز بعد هذا ! !
{ 100 ْ } { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ْ }
السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة والجهاد ، وإقامة دين اللّه .
{ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ } { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا ، وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصادقون }
و من { الْأَنْصَارِ } ( الذين تبوأوا الدار والإيمان ، [ من قبلهم ] يحبون من هاجر إليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )
{ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } بالاعتقادات والأقوال والأعمال ، فهؤلاء ، هم الذين سلموا من الذم ، وحصل لهم نهاية المدح ، وأفضل الكرامات من اللّه .
{ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ } ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة ، { وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ } الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان ، والحدائق الزاهية الزاهرة ، والرياض الناضرة .
{ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } لا يبغون عنها حولا ، ولا يطلبون منها بدلا ، لأنهم مهما تمنوه ، أدركوه ، ومهما أرادوه ، وجدوه .
{ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل لهم فيه ، كل محبوب للنفوس ، ولذة للأرواح ، ونعيم للقلوب ، وشهوة للأبدان ، واندفع عنهم كل محذور .
{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) }
والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هجروا قومهم وعشيرتهم وانتقلوا إلى دار الإسلام ، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه الكفار ، والذين اتبعوهم بإحسان في الاعتقاد والأقوال والأعمال طلبًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى ، أولئك الذين رضي الله عنهم لطاعتهم الله ورسوله ، ورضوا عنه لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم وإيمانهم ، وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ، ذلك هو الفلاح العظيم . وفي هذه الآية تزكية للصحابة -رضي الله عنهم- وتعديل لهم ، وثناء عليهم ؛ ولهذا فإن توقيرهم من أصول الإيمان .
وله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه أوعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } هذا بيان لفضل أشرف المسلمين وهم الأوائل . والمراد بهم موضع خلاف ؛ فقد قيل : المراد بهم الذين صلوا إلى القبلتين . وقيل : هم أهل بدر . وقيل : هم أهل بيعة الرضوان وكانت الحديبية . وقيل : هم الذين أسلموا قبل الهجرة . وقيل : المراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار . وهم سابقون لكونهم الأولين بالنسبة لسائر المسلمين . وبهذا تبين فضل الصحابة جمعيا ؛ فقد غفر الله لجميهم ، وكتب لهم الجنة والرضوان ، والقرار في الجنان بفضله ذي الرحمة والغفران . سواء في ذلك محسنهم ومسيئهم ؛ فهم جميعا مكرمون لشرف الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يقتضي تعظيمهم كلهم وعدم الطعن أو التجريح أو الإساءة إلى أحدهم .
قوله : { رضي الله عنهم ورضوا عنه } يتجلى رضوان الله على المرء في قبول ما قدمه من الصالحات والطاعات . ولئن تقبل الله العمل من عباده فذلكم الفوز العظيم ، والنجاة البالغة الكبرى . وهم إذ يسعدون بقبول أعمالهم وطاعاتهم لا جرم أن ذلك في حقهم خير الأماني ؛ بل إنه أقصى ما يأملونه أو يرتجون أن يبلغوه .
قوله : { وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا } لقد أعد الله لهؤلاء السابقين المكرمين دار سلام فيها خير مقام حيث الخيرات والبركات والرحمات من الله ، مما لا تتصوره الأخيلة والأذهان ولا تبلغ مداه إدراكات البشر لفرط ما حوته الجنات من عطاء غير ممون ، ونعيم ثابت مستديم . إن ذلكم لمثله يعمل العاملون ، أولو الألباب والبصائر من عباد الله الراشدين . عن ذلكم لهو { الفوز العظيم } .