{ حَقَّ جِهَادِهِ } : حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوع ، فإذا حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده .
ويقال المجاهدة على أقسام : مجاهدةٌ بالنَّفْسِ ، ومجاهدةٌ بالقلبِ ، ومجاهدةٌ بالمال . فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلا بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق ، ولا يطلب الرخص والإرفاق . والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل الغفلة ، والعزمُ على المخالفات ، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات . والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار .
ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق ، وتقديم الأشق على الأسهل- وإنْ كان في الأَخَفِّ أيضاً حق .
ويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً ، قال قائلُهم :
يا رَبِّ إِنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ *** فكلُّ أرضٍ لي ثَغْر طرسوس
قوله جلّ ذكره : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } .
يحتمل أن يقول من حق اجتبائه إياكم أَنْ تُعَظمُّوا أَمْرَ مولاكم .
ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم ، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم ، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ .
ويقال عَلَم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك .
قوله جلّ ذكره : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .
الشرع مبناه على السهولة ، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه ، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه - يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك ؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه ، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك .
قوله جلّ ذكره : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } .
أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان .
قوله جلّ ذكره : { هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } اللَّهُ هو الذي اجتباكم ، وهو الذي بالإسلام والعرفان سَمَّاكم المسلمين . وقيل إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله : { وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة :128 ] قوله : { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } ، نَصَبَ الرسولَ بالشهادة علينا ، وأمره بالشفاعة لأمته ، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يُبْقى للشفاعة موضعاً ومحلاً .
قوله جلّ ذكره : { وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } .
وتلك الشهادة إنما نؤديها لله ، ومَنْ كانت له شهادة عند أحد - وهو كريم - فلا يجرح شاهده ، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده .
قوله جلّ ذكره : { فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .
أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام ، ونعت الاستدامة ، وجميل الاستقامة .
والاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة والنهوض بعبادة الله بالله لله يقال الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة . ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة .
{ هُوَ مَوْلاَكُمْ } : سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه .
{ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } نِعْمَ المولى : إخبارُ عن عظمته ، ونعم النصير : إخبارُ عن رحمته .
ويقال إن قال لأيوب : { نِعْمَ العَبْدُ } [ ص :44 ] ولسليمان : { نِعْمَ العَبْدُ } [ ص :30 ] فلقد قال لنا : { نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، ومدحه لِنفسه أعزُّ وأجلُّ من مدحه لك .
ويقال : { نِعْمَ المَوْلَى } : بَدَأَكَ بالمحبة قبل أنْ أحببتَه ، وقبل أن عَرَفْتَه أو طَلَبْتَه أو عَبَدته .
{ وَنِعْمَ النَّصِيرُ } : إذا انصرف عنكَ جمع مَنْ لَكَ فلا يدخل القبرَ معك أحدٌ كان ناصِرَك ، ولا عند السؤال أو عند الصراط .
وجاهِدوا في الله : في سبيل الله .
من حرج : من ضيق بتكليفكم ما يشق عليكم .
واعتصِموا بالله : استعينوا به وتمسكوا بدينه .
وجاهدوا في سبيل الله إعلاءً لكلمته ونشرِ دينه حتى تنتصروا على أعدائكم وشهواتكم ، فإن الله تعالى اختاركم لنصر دينه ، وجعلكم أمة وسطاً ، ولم يكلّفكم في شرعه ما يشقُّ عليكم ، ويسرّ عليكم ما يعترضكم من المشقات التي لا تطيقونها بما جعله لكم من أنواع الرُخَص . فتمسّكوا بهذا الدين القويم ، فهو دين أبيكم إبراهيم الذي سماكم المسلمين .
{ مِن قَبْلُ وَفِي هذا . . . } : من قبلُ في الكتب السابقة ، وفي هذا القرآن الكريم ، فكونوا كما سماكم وانصروا الله ينصركم . . ليكون الرسول شاهداً عليكم بأنكم عملتم بما بلّغكم ، وتكونوا شهداء على الأمم السابقة بأن رسُلها بلّغوها . فإذا كان الله قد خصكم بهذه الميزات كلها ، فمن الواجب عليكم أن تقابلوها بالشكر والطاعة له ، فتقيموا الصلاة على أتم وجوهها ، وتؤدوا الزكاة ، وتتوكلوا على الله وتعتصموا به في كل أموركم ، وهو ناصركم ، فنعم المولى ونعم النصير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.