لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (201)

إنما أراد بها حسنة تنتظم بوجودها جميع الحسنات ، والحسنةُ التي بها تحصل جميع الحسنات في الدنيا - حفظُ الإيمان عليهم في المآل ؛ فإِنَّ مَنْ خرج من الدنيا مؤمناً لا يخلد في النار ، و بفوات هذا لا يحصل شيء . والحسنة التي تنتظم بها حسنات الآخرة - المغفرة ، فإذا غفر فبعدها ليس إلا كل خير .

ويقال الحسنة في الدنيا العزوف عنها ، والحسنة في الآخرة الصون عن مساكنتها . والوقاية من النار ونيران الفُرقة إذ اللام في قوله { النَّارَ } لام جنس فتحصل الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة جميعاً .

ويقال الحسنة في الدنيا شهود بالأسرار وفي الآخرة رؤية بالأبصار .

ويقال حسنة الدنيا ألا يُغنيك عنك وحسنة الآخرة ألا يردك إليك .

ويقال حسنة الدنيا توفيق الخدمة وحسنة الآخرة تحقيق الوصلة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (201)

ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق ، وأن الجميع يسألونه مطالبهم ، ويستدفعونه ما يضرهم ، ولكن مقاصدهم تختلف ، فمنهم : { مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } أي : يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته ، وليس له في الآخرة من نصيب ، لرغبته عنها ، وقصر همته على الدنيا ، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين ، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه ، وكل من هؤلاء وهؤلاء ، لهم نصيب من كسبهم وعملهم ، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم ، وهماتهم ونياتهم ، جزاء دائرا بين العدل والفضل ، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه ، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع ، مسلما أو كافرا ، أو فاسقا ، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه ، دليلا على محبته له وقربه منه ، إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين .

والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد ، من رزق هنيء واسع حلال ، وزوجة صالحة ، وولد تقر به العين ، وراحة ، وعلم نافع ، وعمل صالح ، ونحو ذلك ، من المطالب المحبوبة والمباحة .

وحسنة الآخرة ، هي السلامة من العقوبات ، في القبر ، والموقف ، والنار ، وحصول رضا الله ، والفوز بالنعيم المقيم ، والقرب من الرب الرحيم ، فصار هذا الدعاء ، أجمع دعاء وأكمله ، وأولاه بالإيثار ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به ، والحث عليه .