{ قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمٍ } إشارة إلى القيام بحق العبودية .
{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } إشارة إلى القيام بحق المحبة .
{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قيامٌ له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق العمر .
ويقال كما أنَّ الأغيار يفتخرون بآبائهم ، ويستبشرون بأسلافهم فَلْيَكُنْ افتخاركم بنا واستبشاركم بنا .
ويقال إن كان لآبائكم عليكم حقُّ التربية فحقُّنا عليكم أوجب ، وأفضالنا عليكم أتم .
ويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب ، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما لآبائكم من حسن الحال .
ويقال إنك لا تملُّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك ، فاسْتَدِمْ ذِكرنا ، ولا تَعْترِضَنَّكَ ملالة أو سآمة أو نسيان .
ويقال إنْ طَعَنَ في نَسَبِكَ طاعِنٌ لم ترضَ فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال والبِدَعِ فَذُبَّ عنَّا .
ويقال الأبُ يُذكَرُ بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة بحسن التربية .
وقال { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يُذكَر احتراماً والأم تُذكَر شفقةً عليها ، والله يَرْحَم ولا يُرْحَم .
{ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } لأن الحقَّ أحقُّ ، ولأنك قد تستوحش كثيراً عن أبيك ، والحقُّ سبحانه مُنَزَّهٌ عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضي الواجب حتى إن كان ذرة . وقوله { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه .
قوله جلّ ذكره : { فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } .
خطاب لو قاله مخلوقٌ لَكَ كان شاكراً ، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت الحالة ، ولكن بفضله أَحَلَّكَ محل أن يشكو إليك فقال : مِنَ الناس من لا يجنح قلبه إلينا ، ويرضى بدوننا عنَّا ، فلا يبصر غير نفسه وحظِّه ، ولا يمكن إيمان له بربه وحقِّه .
ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق ، وأن الجميع يسألونه مطالبهم ، ويستدفعونه ما يضرهم ، ولكن مقاصدهم تختلف ، فمنهم : { مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } أي : يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته ، وليس له في الآخرة من نصيب ، لرغبته عنها ، وقصر همته على الدنيا ، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين ، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه ، وكل من هؤلاء وهؤلاء ، لهم نصيب من كسبهم وعملهم ، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم ، وهماتهم ونياتهم ، جزاء دائرا بين العدل والفضل ، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه ، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع ، مسلما أو كافرا ، أو فاسقا ، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه ، دليلا على محبته له وقربه منه ، إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين .
والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد ، من رزق هنيء واسع حلال ، وزوجة صالحة ، وولد تقر به العين ، وراحة ، وعلم نافع ، وعمل صالح ، ونحو ذلك ، من المطالب المحبوبة والمباحة .
وحسنة الآخرة ، هي السلامة من العقوبات ، في القبر ، والموقف ، والنار ، وحصول رضا الله ، والفوز بالنعيم المقيم ، والقرب من الرب الرحيم ، فصار هذا الدعاء ، أجمع دعاء وأكمله ، وأولاه بالإيثار ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به ، والحث عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.