تعالى اللَّهُ في كبريائه ؛ وكبرياؤه : سناؤه وعُلاه ومَجْدُه ورِفْعَتُه وعظَمَتُه ، كل ذلك بمعنى واحد ، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم .
و { المَلِكُ } : مبالغةً من المالك ، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد ، والانفراد بذلك .
و { الحَقُّ } : في وصفه - سبحانه - بمعنى الموجود ، ومنه قوله عليه السلام : " العين حق " أي موجود .
ويكون الحق بمعنى ذي الحقِّ ، ويكون بمعنى مُحِقِّ الحق . . . كل ذلك صحيح .
قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلماً } .
كان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافَة النسيان ، فأَمَرَه بالتثبت في التلقين ، وأَمَّنَه من طوارِق النسيان ، وعرَّفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله .
والآية تشير إلى طَرَفٍ من الاحتياط في القضاء بالظواهر قبل عرضها على الأصول ، ثم إنْ لم يوجد ما يُوجَبُ بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحقِّ اللفظ ، بخلاف قول أهل التوقف .
فالآية تشير إلى التثبت في الأمور وضرورة التمكث واللبث قصداً للاحتياط .
قوله : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } : فإذا كان أَعْلَمُ البَشَرِ ، وسيِّدُ العرب والعجم ، ومَنْ شهد له الحقُّ بخصائص العلم حين قال : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } [ النساء :113 ] يقال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } - عُلِمَ أَنَّ ما يخصُّ به الحقُّ أولياءَه من لطائف العلوم لا حَصْرَ له .
ويقال أحاله على نفسه في استزادة العلم . وموسى عليه السلام أحاله على الخضر حتى قال له : { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } [ الكهف :66 ] فشتان بين عبدٍ أحيل على عبدٍ في ذلك ثم قيل له : { إنَّكَ لَن تَسْتَطِيِعَ مَعِىَ صَبْراً } [ الكهف : 72 ] ثم كل ذلك التلطف قال له في آخر الأمر : { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ . . . } [ الكهف :78 ] وبين عبدٍ أَمَرَه عند استزادة العلم بأن يطلبه من قِبَلِ ربه فقال : قُلْ يا محمد : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } .
ويقال لما قال عليه السلام : " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له " قال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } لِيُعْلَمَ أَنَّ أشرف خِصالِ العبدِ الوقوفُ في محلِّ الافتقار ، والاتصاف بنعت الدعاء دون الوقوف في مَعْرِضِ الدعوى .
{ 114 } { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا }
لما ذكر تعالى حكمه الجزائي في عباده ، وحكمه الأمري الديني ، الذي أنزله في كتابه ، وكان هذا من آثار ملكه قال : { فَتَعَالَى اللَّهُ } أي : جل وارتفع وتقدس عن كل نقص وآفة ، { الْمُلْكُ } الذي الملك وصفه ، والخلق كلهم مماليك له ، وأحكام الملك القدرية والشرعية ، نافذة فيهم .
{ الْحَقُّ } أي : وجوده وملكه وكماله حق ، فصفات الكمال ، لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال ، ومن ذلك : الملك ، فإن غيره من الخلق ، وإن كان له ملك في بعض الأوقات ، على بعض الأشياء ، فإنه ملك قاصر باطل يزول ، وأما الرب ، فلا يزال ولا يزول ملكا حيا قيوما جليلا .
{ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي : لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل ، واصبر حتى يفرغ منه ، فإذا فرغ منه فاقرأه ، فإن الله قد ضمن لك جمعه في صدرك وقراءتك إياه ، كما قال تعالى : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم ، على تلقف الوحي ومبادرته إليه ، تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه ، أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم ، فإن العلم خير ، وكثرة الخير مطلوبة ، وهي من الله ، والطريق إليها الاجتهاد ، والشوق للعلم ، وسؤال الله ، والاستعانة به ، والافتقار إليه في كل وقت .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ، الأدب في تلقي العلم ، وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض ، فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال ، ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام ملقي العلم ، فإنه سبب للحرمان ، وكذلك المسئول ، ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ، ويعرف المقصود منه قبل الجواب ، فإن ذلك سبب لإصابة الصواب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.