لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} (114)

تعالى اللَّهُ في كبريائه ؛ وكبرياؤه : سناؤه وعُلاه ومَجْدُه ورِفْعَتُه وعظَمَتُه ، كل ذلك بمعنى واحد ، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم .

و { المَلِكُ } : مبالغةً من المالك ، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد ، والانفراد بذلك .

و { الحَقُّ } : في وصفه - سبحانه - بمعنى الموجود ، ومنه قوله عليه السلام : " العين حق " أي موجود .

ويكون الحق بمعنى ذي الحقِّ ، ويكون بمعنى مُحِقِّ الحق . . . كل ذلك صحيح .

قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلماً } .

كان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافَة النسيان ، فأَمَرَه بالتثبت في التلقين ، وأَمَّنَه من طوارِق النسيان ، وعرَّفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله .

والآية تشير إلى طَرَفٍ من الاحتياط في القضاء بالظواهر قبل عرضها على الأصول ، ثم إنْ لم يوجد ما يُوجَبُ بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحقِّ اللفظ ، بخلاف قول أهل التوقف .

فالآية تشير إلى التثبت في الأمور وضرورة التمكث واللبث قصداً للاحتياط .

قوله : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } : فإذا كان أَعْلَمُ البَشَرِ ، وسيِّدُ العرب والعجم ، ومَنْ شهد له الحقُّ بخصائص العلم حين قال : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } [ النساء :113 ] يقال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } - عُلِمَ أَنَّ ما يخصُّ به الحقُّ أولياءَه من لطائف العلوم لا حَصْرَ له .

ويقال أحاله على نفسه في استزادة العلم . وموسى عليه السلام أحاله على الخضر حتى قال له : { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } [ الكهف :66 ] فشتان بين عبدٍ أحيل على عبدٍ في ذلك ثم قيل له : { إنَّكَ لَن تَسْتَطِيِعَ مَعِىَ صَبْراً } [ الكهف : 72 ] ثم كل ذلك التلطف قال له في آخر الأمر : { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ . . . } [ الكهف :78 ] وبين عبدٍ أَمَرَه عند استزادة العلم بأن يطلبه من قِبَلِ ربه فقال : قُلْ يا محمد : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } .

ويقال لما قال عليه السلام : " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له " قال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } لِيُعْلَمَ أَنَّ أشرف خِصالِ العبدِ الوقوفُ في محلِّ الافتقار ، والاتصاف بنعت الدعاء دون الوقوف في مَعْرِضِ الدعوى .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} (114)

{ 114 } { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا }

لما ذكر تعالى حكمه الجزائي في عباده ، وحكمه الأمري الديني ، الذي أنزله في كتابه ، وكان هذا من آثار ملكه قال : { فَتَعَالَى اللَّهُ } أي : جل وارتفع وتقدس عن كل نقص وآفة ، { الْمُلْكُ } الذي الملك وصفه ، والخلق كلهم مماليك له ، وأحكام الملك القدرية والشرعية ، نافذة فيهم .

{ الْحَقُّ } أي : وجوده وملكه وكماله حق ، فصفات الكمال ، لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال ، ومن ذلك : الملك ، فإن غيره من الخلق ، وإن كان له ملك في بعض الأوقات ، على بعض الأشياء ، فإنه ملك قاصر باطل يزول ، وأما الرب ، فلا يزال ولا يزول ملكا حيا قيوما جليلا .

{ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي : لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل ، واصبر حتى يفرغ منه ، فإذا فرغ منه فاقرأه ، فإن الله قد ضمن لك جمعه في صدرك وقراءتك إياه ، كما قال تعالى : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم ، على تلقف الوحي ومبادرته إليه ، تدل  على محبته التامة للعلم وحرصه عليه ، أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم ، فإن العلم خير ، وكثرة الخير مطلوبة ، وهي من الله ، والطريق إليها الاجتهاد ، والشوق للعلم ، وسؤال الله ، والاستعانة به ، والافتقار إليه في كل وقت .

ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ، الأدب في تلقي العلم ، وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض ، فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال ، ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام ملقي العلم ، فإنه سبب للحرمان ، وكذلك المسئول ، ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ، ويعرف المقصود منه قبل الجواب ، فإن ذلك سبب لإصابة الصواب .