البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} (114)

ولما كان فيما سبق تعظيم القرآن في قوله { وقد آتيناك من لدنّا ذكراً } { وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً } ذكر عظمة منزله تعالى ثم ذكر هاتين الصفتين وهي صفة { الملك } التي تضمنت القهر ، والسلطنة والحق وهي الصفة الثابتة له إذ كل من يدعي إلهاً دونه باطل لاسيما الإله الذي صاغوه من الحلي ومضمحل ملكه ومستعار ، وتقدّم أيضاً صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه بهم ، فناسب تعاليه ووصفه بالصفتين المذكورتين ، ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد طالباً منه التأني في تحفظ القرآن { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقْضَى إليك وحيه } أي تأن حتى يفرغ الملقى إليك الوحي ولا تساوق في قراءتك قراءته وإلقاءه ، كقوله تعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل به } وقيل : معناه لا تبلغ ما كان منه مجملاً حتى يأتيك البيان .

وقيل : سبب الآية " أن امرأة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها لطمها ، فقال لها «بينكما القصاص » " ثم نزلت { الرجال قوامون على النساء } ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن .

وقيل : كان إذا نزل عليه الوحي أمر بكتبه للحين ، فأمر أن يتأنى حتى يفسر له المعاني ويتقرر عنده .

وقال الماوردي : معناه ولا تسأل قبل أن يأتيك الوحي إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا : يا محمد أخبرنا عن كذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه ، وفشت المقالة بين اليهود قد غلب محمد فنزلت { ولا تعجل بالقرآن } أي بنزوله .

وقال أبو مسلم { ولا تعجل } بقراءته في نفسك أو في تأديته إلى غيرك أو في اعتقاد ظاهره أو في تعريف غيرك ما يقتضيه ظاهره احتمالات .

{ من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي تمامه أو بيانه احتمالات ، فالمراد إذاً أن لا ينصب نفسه ولا غيره عليه حتى يتبين بالوحي تمامه أو بيانه أو هما جميعاً ، لأنه يجب التوقف في المعنى لما يجوز أن يحصل عقيبه من استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات ، وهذه العجلة لعله فعلها باجتهاده عليه السلام انتهى .

وفيه بعض تلخيص .

وقرأ الجمهور : { يُقضى إليك } مبنياً للمفعول { وحيه } مرفوع به .

وقرأ عبد الله والجحدري والحسن وأبو حيوة ويعقوب وسلام والزعفراني وابن مقسم نقضي بنون العظمة مفتوح الياء وحيه بالنصب .

وقرأ الأعمش كذلك إلا أنه سكن الياء من يقضي .

قال صاحب اللوامح : وذلك على لغة من لا يرى فتح الياء بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفاً انتهى .

{ وقل رب زدني علماً } قال مقاتل أي قرآناً .

وقيل : فهماً .

وقيل : حفظاً وهذا القول متضمن للتواضع لله والشكر له عند ما علم من ترتيب التعلم أي علمتني مآرب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي ، فزدني علماً .

وقيل : ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلاّ في طلب العلم .