يعني كما أنشأ في الظاهر جناتٍ وبساتينَ كذلك أنشأ في السِّر جناتٍ وبساتين ، ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر ؛ فأزهار القلوب مونِقة ، وشموس الأسرار مشقة ، وأنهار المعارف زاخرة .
ويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال ، وكما تختلف طعومها وروائحها مع تشاكلها من وجه ، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا ، وإن اشتركت في كونها أحوالاً .
قوله جلّ ذكره : { وَآتُو حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
حَقُّ الواجبِ يومَ الحصاد إقامة الشكر ، فأمَّا إخراج البعض فبيانه على لسانه العلم ، وشهودُ المِنعم في عين النعمة أتمُّ من الشكر على وجود النعمة .
قوله جلّ ذكره : { وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ } .
الإسراف - على لسان العلم - مجاوزة الحد .
وعلى بيان الإشارة فالإسرافُ كلُّ ما أَنْفَقْتَه في حظِّ نَفْسِكَ - ولو كانت سمسمة ، وما أنفقته في سبيله - سبحانه - فليس بإسراف ، ولو أربى على الآلاف .
معروشات : مرفوعات على ما يحملها .
متشابها وغير متشابه : الاشتباه والتشابه : بمعنى واحد ، والمراد به : التقارب في نحو اللون والطعم .
ولا تسرفوا : ولا تجاوزوا الحد في الإنفاق .
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات . . . الآية .
يلفت القرآن النظر إلى بديع صنع الله في خلقه ، ويعدد النعم ، ويلمس شغاف القلوب ؛ ليحركها نحو النظر إلى بديع صنع الله .
والمعنى : هو الله الذي خلق بساتين مختلفة ، بعضها مرفوعات على ما يحملها من العرائش مثل : الكرم ، وبعض الزروع والبطيخ ، وبعضها متروكات بدون عرائش مثل : النخل وسائر الأشجار .
أي : وأنشأ النخل والزرع . والمراد بالزرع : جميع الحبوب التي يقتات بها ، مختلفا ثمره وحبه : في الهيئة وفي الطعم .
والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه .
أي : وأنشأ – سبحانه وتعالى – الزيتون والرمان : متشابها في الثمر والشكل والهيئة والطعم واللون والحجم ، وغير متشابه في ذلك ؛ إبداعا في الخلق والإعجاز .
أي : كلوا من ثمر تلك الزروع والأشجار التي أنشأها لكم ، شاكرين الله على ذلك ، والأمر هنا للإباحة .
وفائدة التقييد بقوله إذا أثمر . إباحة الأكل قبل النضوج والإدراك من نحو الفول الأخضر والباقلاء والفريك ، للاستمتاع بنعم الله ، والطعام في مراحل نموه المبكرة حيث تكون له نكهة ولذة تستحق الشكر والحمد لله .
قال القرطبي : وفيه أدلة على وجود الله ، وعلى عظيم المنة علينا :
فلو شاء إذا خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر ، طيب الطعم ، وإذا خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ؛ لأنه لا يجب عليه شيء .
ومن دليل القدرة : أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأت فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته : الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجني الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها ، وأين الفلاسفة وأسسها ، هل هي في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان ؟ أو ترتب هذا الترتيب العجيب ؟ كلا ، لا يتم في العقول إلا لحي قادر عالم مريد ، فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية ! .
وءاتو حقه يوم حصاده . قيل : هي في زكاة الزروع والثمار ، والزكاة لم تفرض إلا في المدينة ، فقالوا : هذه الآية مدنية في سورة مكية .
ورأى بعض العلماء أن المراد بهذا الحق : الصدقة بوجه عام على المستحقين لها ، بأن يوزع صاحب الزرع منه عند حصاده ، على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم ، بدون إسراف أو تقتير ، وأصحاب هذا الرأي فسروا هذا الحق بالصدقة الواجبة ، من غير تحديد للمقدار ، وليس بالزكاة المفروضة ؛ لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة ( 8 ) .
ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .
أي : لا تتجاوزوا الحد في الأكل أو في التصدق ، فخير الأمور الوسط وشر الأمور الشطط .
فلا يجوز أن يشتد البخل ، ولا أن يعظم الإتفاق حتى يترك الإنسان أولاده فقراء .
قال ابن جريج : نزلت في ثابت بن قيس( 9 ) ، قطع خمسمائة نخلة ففرق ثمرها كلها ولم يدخل منه شيئا إلى منزله كقوله تعالى : ولا تبسطها كل البسط . ا . ه .
والإسلام دين وسط لا غلو فيه ولا تفريط ، بل فيه وسطية واعتدال . قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا . . ( البقرة : 143 ) وقال تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما . ( الفرقان : 67 ) .
قوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنات } بساتين .
قوله تعالى : { معروشات وغير معروشات } أي : مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات . وقال ابن عباس : معروشات : ما انبسط على وجه الأرض . فانتشر مما يعرش مثل : الكرم والقرع والبطيخ وغيرها . وغير معروشات : ما قام على ساق ونسق ، مثل : النخل والزرع وسائر الأشجار .
وقال الضحاك : كلاهما من الكرم خاصة ، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش .
قوله تعالى : { والنخل والزرع } ، أي : وأنشأ النخل والزرع .
قوله تعالى : { مختلفاً أكله } ، ثمره وطعمه ، منها الحلو والحامض ، والجيد ، والرديء . قوله تعالى : { والزيتون والرمان متشابهاً } ، في النظر .
قوله تعالى : { وغير متشابه } ، في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف .
قوله تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } ، هذا أمر إباحة .
قوله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } ، قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم { حصاده } بفتح الحاء ، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد ، كالصرام والصرام ، والجذار والجذاز . واختلفوا في هذا الحق ، فقال ابن عباس ، وطاووس ، والحسن ، وجابر بن زيد ، وسعيد بن المسيب : إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر . وقال علي ابن الحسين ، وعطاء ، ومجاهد ، وحماد ، والحكم : هو حق في المال سوى الزكاة ، أمر بإتيانه ، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة . قال إبراهيم : هو الضغث ، وقال الربيع : لقاط السنبل . وقال مجاهد : كانوا يعلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر . وقال يزيد بن الأصم : كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد ، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه . وقال سعيد بن جبير : كان هذا حقاً يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام ، فصار منسوخاً بإيجاب العشر . قال مقسم عن ابن عباس : نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن .
قوله تعالى : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ، قيل : أراد بالإسراف إعطاء الكل . قال ابن عباس في رواية الكلبي :عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . قال السدي : { لا تسرفوا } أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء . قال الزجاج : على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف ، لأنه قد جاء في الخبر ( أبدأ بمن تعول ) . وقال سعيد بن المسيب : معناه لا تمنعوا الصدقة . فتأويل هذه الآية على هذا لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة . وقال مقاتل :لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام . وقال الزهري : لا تنفقوا في المعصية . وقال مجاهد : الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل ، وقال : لو كان أبو قيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً أو مداً في معصية الله كان مسرفاً ، وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف . وروى ابن وهب عن أبي زيد قال : الخطاب للسلاطين ، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم .