لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار . . فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل ؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى :
أَفِقدانُ سماع الخطابِ ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية ؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل ، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل ؟ سبحان الله ! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه !
قوله جلّ ذكره : { وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع ، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر .
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب .
فقال :{ ابْنَ أُمَّ }[ طه : 94 ] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام .
وكذلك قوله :{ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى }[ طه : 94 ] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه ، ولا تَزِدْ في بلائي ، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني . وتلك عليَّ شديدةٌ . ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني ، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة ، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي ، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي . فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء ، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء .
وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام ، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال : { رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال ، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه ، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ .
ويقال : ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل ، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام ، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية .
{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إن الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( 150 ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) }
بئسما خلفتموني من بعدي : أي : بئس ما فعلتموه من بعد غيبتي .
أعجلتم أمر ربكم : أي : أسبقتم ما أمركم به ربكم من التوحيد فعبدتم العجل قبل أن يعود موسى من ميقات ربه ؛ ليكون أمام الأمر الواقع ، يقال : عجل الأمر سبقه .
وألقى الألواح : طرحها على الأرض .
وأخذ برأس أخيه : أي : وأمسك بشعر رأس أخيه يجره به إليه .
فلا تشمت بي الأعداء : أي : فلا تفعل ما يكون سببا لشماتتهم بي .
{ 150 - وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفًا } . . . . الآية .
عاد موسى إلى قومه شديد الغضب والحزن ، شديد الأسف والهم ، حين علم أن قومه تركوا عبادة الله الحق ، وعبدوا عجلا من الذهب لا يملك الكلام ولا يقدم لهم سبيل الهداية ؛ وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبره وهو في مكان المناجاة بما أحدثه قومه :
قال فأنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري . ( طه : 85 ) .
قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ .
لقد استخلف موسى هارون على قومه ، وكانت وصية لهم : الاستمرار على عبادة الله ، ونبذ عبادة غير الله ، لكنهم لم يحسنوا خلافة موسى ، فإن من واجب الخلفاء أن يسيروا على نهج المستخلف ، فخاطب موسى جميع قومه بقوله :
{ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ } .
فالذين عبدوا العجل قد أشركوا بعبادة الله غيره من المخلوقات التي لا تملك نفعا ولا ضرا .
وهارون ومن معه من المؤمنين كان عليهم واجب هو أن يبذلوا جهدا أكبر لمنع هؤلاء المرتدين من عبادة العجل ، ويجوز أن يكون الخطاب لهارون والمؤمنين معه ، فاللّوم لهم إذ لم يمنعوا عبدة العجل مما فعلوا ، أي : بئس قيامكم مقامي ؛ إذ لم تراعوا عهدي .
أي : أسبقتم ما أمرتم به من البقاء على التوحيد أو استعجلتم قضاءه وعقابه .
أو استعجلتم موعده وميقاته ، حيث تركتكم إلى ميعاد مؤقت . فسارعتم إلى مخالفة أمري وغيرتم دينكم وعبدتم العجل ، قبل نهاية المدة التي قضيتها في ميعاد الله ومناجاته .
{ وألقى الأرواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه } .
طرح موسى ألواح التوراة جانيا من الغضب ، أو وضع الألواح التي تحمل الوصايا والتوجيهات الإلهية ، التي كتب الله له فيها المواعظ والتشريعات ، وهذه الألواح تحمل وصايا الله وتوجيهاته ، وكان موسى حريا أن يحافظ عليها ، لكن شدة الغضب جعلته يلقى الألواح جانبا ، وأمسك موسى بشعر رأس هارون يجذبه إليه منه ؛ لظنه أنه أهمل في توعية قومه ، وإرشادهم وإصلاح حالهم ، ونهيهم عن الإشراك بالله .
{ قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } .
كان هارون حليما حكيما ، وهنا بدأ يرقق قلب أخيه ، فخاطبه خطاب المسترحم المستضعف ، ولم يقل يا أخي ، ولا يا ابن أبي ولكن ناجاه بقوله : ابن أم . أي : نحن أبناء أم واحدة ، وشرح له موقفه حين اشتد هياج القوم واندفاعهم إلى العجل الذهب ، وقد بذل هارون قصارى جهده ، في ترشيدهم ونصحهم ، لكنهم قهروه واستضعفوه ، وهموا بقتله ، واقتربوا وأوشكوا أن يؤذوه أو يقتلوه .
أي : فلا تفعل بي أمام هؤلاء الأعداء ، ما يكون سبب لشماتتهم وفرحهم فيما يصيبني .
{ ولا تجعلني مع القوم الظالمين } .
ولا تنظمني بغضبك عليّ في عداد الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق ؛ فأنا لم أضل مثلهم ولم أكفر معهم ، وأنا برئ منهم ولكني تريثت ، وتراجعت عندما رأيت اتجاه القوم الشديد نحو عبادة العجل ، فلم أحاول التفريق بينهم ، بتصنيفهم إلى مؤمنين وكافرين ، ورجوت إذا رجعت من المناجاة أن تكون أقدر على هدايتهم ، ودعوتهم إلى الإيمان .
{ قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي . ( طه : 94 ) .
عندئذ هدأت ثورة الغضب عند موسى ، والتمس العذر لأخيه ، وطلب من الله المغفرة له ، ولأخيه ، وطلب من الله الرحمة ، وهو سبحانه أرحم الراحمين .
قوله تعالى : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً } قال أبو الدرداء الأسف : الشديد الغضب . وقال ابن عباس والسدي : أسفا أي حزيناً ، والأسف أشد من الحزن . قوله تعالى : { قال بئسما خلفتموني من بعدي } أي : بئس ما عملتم بعد ذهابي ، يقال : خلفه بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيراً أو شراً . ذ
قوله تعالى : { أعجلتم } أسبقتم .
قوله تعالى : { أمر ربكم } ، قال الحسن : وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ليلة . وقال الكلبي : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم .
قوله تعالى : { وألقى الألواح } ، التي فيها التوراة وكان حاملاً لها ، وألقاها على الأرض من شدة الغضب . قالت الرواة : كانت التوراة سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت ، فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع ، فرفع ما كان من أخبار الغيب ، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام .
قوله تعالى : { وأخذ برأس أخيه } ، بذوائبه ولحيته .
قوله تعالى : { يجره إليه } ، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين ، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى ، لأنه كان لين الغضب .
قوله تعالى : { قال } هارون عند ذلك .
قوله تعالى : { ابن أم } قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا وفي طه بكسر الميم ، يريد يا ابن أمي ، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله : ( يا عباد ) وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص : بفتح الميم على معنى يا ابن أماه ، وقيل : جعله اسماً واحداً وبناه على الفتح ، كقولهم : حضرموت ، وخمسة عشر ، ونحوهما . وإنما قال ( ابن أم ) وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه ، وقيل : كان أخاه لأمه دون أبيه .
قوله تعالى : { إن القوم استضعفوني } يعني عبدة العجل .
قوله تعالى : { وكادوا يقتلونني } ، هموا وقاربوا أن يقتلوني .
قوله تعالى : { فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني } في مؤاخذتك علي ،