لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (11)

قوله جل ذكره : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .

" داود " اسم أعجمي ، وقيل سمي داود لأنه داوى جَرْحه ، وَرَدَ في القصة أنه قال في إحدى مناجاته : يا رب ، إني أرى في التوراة ما أعطيتَ لأوليائك وأَنبيائك من الرتب فأعطنيها فقال : إني ابتليتهم فصبروا ، فقال : إني أصبر على بلائك ، فأَعْطني ما أعطيتهم ، فأبلاه ، فوقف ، فأعطاه ما أعطاهم .

{ وَلَقَدْ آتينَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً } : تكلموا في هذا الفضل ؛ فمنهم مَنْ أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير : { أَوِّبِي مَعَهُ } : وكذلك الجبال ، وكان في ذلك تنفيس في وقت حُزْنِه وبكائه . وقيل ذلك الفضلُ رجوعُه إلى الله - في حال ما وقع له - بالتنصل والاعتذار . ويقال هو شهودُه موضِعَ ضرورته وأنه لا يُصْلِحُ أمرَه غيرُه . ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حَتى كان ليرْغبُ في متَابعته مَنْ يسمع إليه . ويقال حلاوةُ صوته في المناجاة . ويقال حُسنُ خُلقه مع أمته الذين اتبعوه ، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل . . .

قوله : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ } أمرَ الجبالَ والطيرَ بمجاوبته حتى خرَجَ إلى الجبال والصحارى ينوح على نفسهِ .

ويقال أوحى الله له : يا داود ، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك ! فقال . يا رب ، وكيف ؟ فقال : كنتَ تجيء قبلها كما يجيء المطيعون والآن تجيء كما يجيء أهل الذنوب !

يا داود ، إن أنينَ المذْنبين أحبُّ إليّ من صُراخ العابدين !

ويقال ، كان داود يقول . اللهمّ لا تَغفرْ للخاطئين ، غيرةً منه وصلابةً في الدين . . . فلما وقع له ما وقع كان يقول . اللهم اغفر للمذنبين ، فعسى أن تغفرَ لداود فيما بينهم .

ويقال لمَّا تاب الله عليه ، واجتمع الإنسُ والجنُّ والطير بمجلسه ، وَرَفع صوتَه ، وأداره في حَنَكِه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقَالوا . الصوتُ صوتُ داود والحال ليست تلْك ! فأوحَى اللَّهُ إليه هذه وَحْشةُ الزّلة ، وتلك كانت أُنسَ الطاعة . . فكان داودُ يبكي وينوح ويصيح والطير والجبالُ معه .

وَيقال ليس كلُّ مَنْ صاح وراءه معنى ، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير . . .

{ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدَِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً } . ألان له الحديدَ ، وجعل ذلك معجزةً له ، وجعل فيه توسعةَ رزقه ، ليجدَ في ذلك مكسباً ، لِيَقْطَعَ طَمَعَه عن أُمته في ارتفاقه بهم ليباركَ لهم في اتِّباعِه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (11)

10

{ أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } .

المفردات :

وقدر : أحكم أو اقتصد . السرد : نسج الدروع ، أي اجعل المسامير مقدرة على قدر الحلق فلا يكون غليظا ولا دقيقا .

التفسير :

أي أوحينا إليه أن اعمل دروعا سابغات أي كاملات تامة واسعات يقال : نعمة سابغات أسي كاملة وافرة قال تعالى : { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة . . . } ( لقمان : 20 )

{ وقدر في السرد . . . }

أي أحكم صنع الدروع بحيث يكون في أكمل صورة وأحسن هيئة ، متناسبة الحلقات والمسامير فلا تكون الحلقات واسعة ولا ضيقة ، بل متناسقة على قدر الحاجة محكمة على قدر حاجة الجسم وكان داود عليه السلام أول من صنع الدروع المحكمة .

قال قتادة : كانت الدروع قبله صفائح ثقالا .

وقال المفسرون { وقدر في السرد } : أي لا تغلظ المسامير فيتسع الثقب ولا توسع الثقب فتقلقل المسامير فيها . iv

قال الفخر الرازي : قيل إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مالا بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع .

{ واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } .

أي اعملوا يا آل داود عملا صالحا فإني مطلع ومشاهد ومراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم لا يخفى علي شيء منها .

وفي معنى ذلك قوله تعالى : { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق } ( ص : 18 ) .

وقوله عز شأنه : { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون } . ( الأنبياء : 79-80 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (11)

{ 10 - 11 } { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

أي : ولقد مننا على عبدنا ورسولنا ، داود عليه الصلاة والسلام ، وآتيناه فضلا من العلم النافع ، والعمل الصالح ، والنعم الدينية والدنيوية ، ومن نعمه عليه ، ما خصه به من أمره تعالى الجمادات ، كالجبال والحيوانات ، من الطيور ، أن تُؤَوِّب معه ، وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها ، مجاوبة له ، وفي هذا من النعمة عليه ، أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده ، وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات ، تتجاوب بتسبيح ربها ، وتمجيده ، وتكبيره ، وتحميده ، كان ذلك مما يهيج على ذكر اللّه تعالى .

ومنها : أن ذلك - كما قال كثير من العلماء ، أنه طرب لصوت داود ، فإن اللّه تعالى ، قد أعطاه من حسن الصوت ، ما فاق به غيره ، وكان إذا رجَّع التسبيح والتهليل والتحميد بذلك الصوت الرخيم الشجيِّ المطرب ، طرب كل من سمعه ، من الإنس ، والجن ، حتى الطيور والجبال ، وسبحت بحمد ربها .

ومنها : أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها ، لأنه سبب ذلك ، وتسبح تبعا له .

ومن فضله عليه ، أن ألان له الحديد ، ليعمل الدروع السابغات ،

وعلمه تعالى كيفية صنعته ، بأن يقدره في السرد ، أي : يقدره حلقا ، ويصنعه كذلك ، ثم يدخل بعضها ببعض .

قال تعالى : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ }

ولما ذكر ما امتن به عليه وعلى آله ، أمره بشكره ، وأن يعملوا صالحا ، ويراقبوا اللّه تعالى فيه ، بإصلاحه وحفظه من المفسدات ، فإنه بصير بأعمالهم ، مطلع عليهم ، لا يخفى عليه منها شيء .