لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا} (50)

يُرْسِلُ رياحَ الكَرَم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مبارِّه ، ويرسل رياحَ الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتُكْفَى بالله لله ، ويرسِلُ رياحَ الخوفِ على قلوبِ العُصَاةِ فتحملهم على النَّدَمِ ، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة ، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب ، فتزعجها عن المساكنات ، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا يستقِرُّ إلا بالكشف والتجلَّّي .

ويقال إذا تَنَسَّمَ القلبُ نسيمَ القُرْبِ هَامَ في ملكوت الجلال ، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود .

قوله جل ذكره : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحِْىَ بِهِ بَلَدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } .

أنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ ، وأنبت به الأزهار والأنوار ، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار ، وما تدنَّسوا به من الأوزار .

و { الطَّهُور } هو الطاهرُ المُطَهِّرُ ، وماءُ الحياء يُطِهرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات . وماء الرعاية يُحْيِي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلِّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال ، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا} (50)

المفردات :

صرفناه : حولناه في أوقات مختلفة إلى بلدان متعددة .

ليتذكروا : ليعتبروا .

كفورا : كفرانا للنعمة ، وإنكارا لها .

التفسير :

50-{ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا }

لقد وزعنا هذا المطر بين عباد الله في أرضه ، ليعتبروا ويتعظوا ، ويتذكروا أن تسخير السحاب ، وإنزال المطر وإنبات النبات ، بقدرة الله ، فيقوموا بالشكر والتذكر لفضل الله ، لكن كثيرا من الناس ينسبون المطر إلى النجوم ، والظواهر الطبيعية ، وينسون أن الله هو الذي طبع الطبيعة ، وسخرها ويسرها لخدمة الإنسان ، ومع هذا فقليل من الناس من يشكر ، وكثير منهم من يكفر .

روى مسلم في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوما ، على إثر سماء أصابتهم من الليل ( أتدرون ماذا قال ربكم ؟ ) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ( أصبح من عبادي مؤمن وكافر ، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته : فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا : فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب )17 .

وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في الآية يعود إلى القرآن ، فقالوا : معنى هذه الآية : وهذا القرآن قد بينا آياته ، وصرفناها ولونا فيها فنون القول وأنواعه ؛ ليتذكر الناس ربهم ، وليتعظوا ويعملوا بموجبه ، ولكن أكثر الناس أبوا إلا الكفر والعناد .