إن وراء هذا التلاقي على غير موعد - بهذه الدقة وبهذا الضبط - لأمراً مقضياً يريد الله تحقيقه في عالم الواقع ، ويدبر له هذا التدبير الخفي اللطيف ؛ ويجعلكم أنتم أداة تحقيقه ، ويهيئ له جميع الظروف التي تيسر لكم القيام به !
أما هذا الأمر المقتضى الذي دبر الله الظروف لتحقيقه فهو الذي يقول عنه :
ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . .
والهلاك يعبر به عن مدلوله المباشر ، كما يعبر به عن الكفر . وكذلك الحياة فإنها قد تفيد مدلولها المباشر وقد يعبر بها عن الإيمان . . وهذا المدلول الثاني أظهر هنا ، وذلك كما قال الله سبحانه في مثل هذا المعنى : ( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ? ) . . فعبر عن الكفر بالموت وعبر عن الإيمان بالحياة ؛ وجرى في هذا على نظرة الإسلام لحقيقة الكفر وحقيقة الإيمان . هذه النظرة التي أوضحناها بشيء من التفصيل عند استعراض هذه الآية من سورة الأنعام في الجزء الثامن
ووجه ترجيح هذا المدلول هنا أن يوم بدر - كما قال الله سبحانه - كان ( يوم الفرقان )وقد فرق الله فيه بين الحق والباطل - كما ذكرنا منذ قليل - ومن ثم فإن من يكفر بعدها فإنما يكفر في غير شبهة - يكفر عن بينة فيهلك عن بينة - ومن يؤمن بعدها فإنما يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة . .
إن الموقعة - بظروفها التي صاحبتها - تحمل بينة لا تجحد ، وتدل دلالة لا تنكر ، على تدبير وراء تدبير البشر ، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر . . إنها تثبت أن لهذا الدين رباً يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا ، وأنه له كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم . .
ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال : " فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة " ! ولقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون الله كما قال لهم محمد الصادق الأمين ، وأنه ما لأحد بالله من طاقة . . فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة !
هذا ما يتبادر إلى الذهن من معنى هذا التعقيب : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
إن وقوع المعركة بين جند الحق وجند الباطل ؛ واستعلاء سلطان الحق في عالم الواقع - بعد استعلائه فيعالم الضمائر - إن هذا كله مما يعين على جلاء الحق للعيون والقلوب ؛ وعلى إزالة اللبس في العقول والنفوس ؛ بحيث يتبين الأمر بهذا الفتح ويتجلى ؛ فلا تعود لمن يختار الهلاك - أي الكفر - شبهة في الحق الذي استعلن واستعلى ؛ كما أن الذي يريد أن يحيا - أي يؤمن - لا يعود لديه شك في أن هذا هو الحق الذي ينصره الله ، ويخذل الطغاة .
وهذا يعود بنا إلى ما قدمناه في الجزء التاسع - في التعريف بسورة الأنفال - من الحديث عن ضرورة الجهاد لتحطيم قوى الشر وسلطان الطاغوت ؛ وإعلاء راية الحق وسلطان الله . . فهذا مما يعين على جلاء الحق : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة . . كما أن هذه اللفتة تساعدنا على تفهم أبعاد الإيحاء الذي يعطيه قول الله تعالى ، في هذه السورة : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم . . . )فإعداد القوة والإرهاب بها مما يعين على جلاء الحق في أنماط من القلوب . لا تستيقظ ولا تتبين إلا على إيقاعات القوة التي تحمل الحق وتنطلق به لإعلان تحرير " الإنسان " في " الأرض " كما أسلفنا .
والتعقيب على ذلك الجانب من التدبير الإلهي في المعركة ، وعلى غاية هذا التدبير التي تحققت فعلاً هو : ( وإن الله لسميع عليم ) . . .
فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء مما يقول فريق الحق أو فريق الباطل ؛ ولا شيء مما يخفونه في صدورهم وراء الأقوال والأفعال ؛ وهو يدبر ويقدر باطلاعه على الظواهر وعلمه بالسرائر ، وهو السميع العليم . .
{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً } مقدر باذكر أو بدل من { يوم الفرقان } [ الأنفال : 41 ] وجوز أن يتعلق ب { عليم } [ الأنفال : 42 ] وليس بشيء ، ونصب قليلاً على أنه مفعول ثالث عند الأجهوري أو حال على ما يفهمه كلام غيره .
والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم أرى ما أرى في النوم وهو الظاهر المتبادر ، وحكمة إراءتهم إياه صلى الله عليه وسلم وسلم قليلين أن يخبر أصحابه رضي الله تعالى عنهم فيكون ذلك تثبيتاً لهم ، وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام فيها فلم تكن عنده هناك رؤيا أصلاً بل كانت رؤية ، وإليه ذهب البلخي ولا يخفى ما فيه لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمي على ما قال بعض المحققين أوفى موضع الشخص النائم على ما في «الكشف » ففي الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه ، وما قيل : إن فائدة العدول الدلالة على الأمن الوافر فليس بشيء لأنه لا يفيد ذلك فالنوم في تلك الحال دليل إلا من لا أن يريهم في عينه التي هي محل النوم ، على أن الروايات الجمة برؤيته صلى الله عليه وسلم إياهم مناماً وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظراً إلى الظاهر ، ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة فإنه الفصيح العالم بكلام العرب ، وتخريج كلامه على أن في الكلام مضافاً محذوفاً أقيم المضاف إليه مقامه أي في موضع منامك مما لا يرتضيه اليقظان أيضاً ، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الغريبة ، والمراد إذا أراكهم الله قليلاً { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } أي لجبنتم وهبتم الإقدام ، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط إشارة كما قيل : إلى أن الجبن يعرض لهم لا له صلى الله عليه وسلم إن كان الخطاب للأصحاب فقط وإن كان للكل يكون من إسناد ما للأكثر للكل { ولتنازعتم فِى الامر } أي أمر القتال وتفرقت آراؤكم في الثبات والفرار { ولكن الله سَلَّمَ } أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع .
/ { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي الخواطر التي جعلت كأنها مالكة للصدور ، والمراد أنه يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ولذلك دبر ما دبر .
( ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله } أيها القلب { فِى مَنَامِكَ } وهو وقت تعطل الحواس الظاهرة وهدوء القوى البدنية { قَلِيلاً } أي قليل القدر ضعاف الحال { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً } في حال غلبة صفات النفس { لَّفَشِلْتُمْ ولتنازعتم في الأمر } أمر كسرها وقهرها لانجذاب كل منكم إلى جهة { ولكن الله سَلَّمَ } من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } [ الأنفال : 43 ] أي بحقيقتها فيثبت علمه بما فيها من باب الأولى
قوله تعالى : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } { وإذ } في موضع نصب بفعل مقدر ، وتقديره : واذكر إذ يريكم الله{[1668]} والمخاطب هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد تظاهرت الروايات أنها رؤيا منام . فقد روي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الكفار قليلا فأخبر بها أصحابه فاشتد أزرهم{[1669]} ، وقويت عزائمهم ، وازدادت في نفوسهم الشجاعة والاستبسال واليقين . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عقب النتباهه من المنام : ( أبشروا لقد نظرت إلى مصارع القوم ) . والمراد بالقلة في الآية : ضعف القوم واستيئاسهم وأنهم مهزومون مصروعون فتكون الغلبة للمؤمنين قوله : { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } أي لو أراكم المشركين كثيرا لخارت عزائمكم ، وانهارت قواكم ، وأخذكم اليأس والخور ، { ولتنازعتم } أي اختلفتم . والتنازع في الأمر معناه الاختلاف الذي يحول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه . والمقصود : أنه لاضطراب أمركم واختلفت كلمتكم { ولاكن الله سلم } أي سلمكم من الفشل ومن المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلمكم من الهزيمة .
قوله : { إنه عليم بذات الصدور } أي يعلم ما تخفيه صدوركم من الجراءة والخور ، أو الصبر والجزع .