في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

1

بعد ذلك يلتفت السياق إلى موقف المشركين من رسول الله [ ص ] وما جاءه من الحق ؛ وإلى هذا القرآن الذي يشهد له بأنه على بينة من ربه ، وأنه مرسل من عنده ؛ كما يشهد له كتاب موسى من قبله . يلتفت السياق إلى هذا الحشد من الأدلة المحيطة بالنبي [ ص ] وبدعوته ورسالته . ذلك ليثبت بهذه الالتفاتة قلب رسول الله [ ص ] والقلة المؤمنة معه . ثم ليوعد الذين يكفرون به من أحزاب المشركين بالنار ؛ وليعرضهم في مشهد من مشاهد العذاب يوم القيامة يجلله الخزي والعار جزاء العتو والاستكبار ؛ وليقرر أن هؤلاء المتبجحين بالباطل ، المعاندين في الحق أعجز من أن يفلتوا من عذاب الله ؛ وأعجز من أن يجدوا لهم من دون الله أولياء ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) . . وليعقد بينهم وبين المؤمنين موازنة في صورة حسية مشهودة ؛ تصور الفارق البعيد بين الفريقين في طبيعتهما ، وفي موقفهما وحالهما في الدنيا وفي الآخرة سواء :

( أفمن كان على بينة من ربه ، ويتلوه شاهد منه ، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ؟ أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ، فلا تك في مرية منه ، إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) .

( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ؛ أولئك يعرضون على ربهم ؛ ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين . الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ، وهم بالآخرة هم كافرون . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ، وما كان لهم من دون الله من أولياء ، يضاعف لهم العذاب . ما كانوا يستطيعون السمع ، وما كانوا يبصرون . أولئك الذين خسروا أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون . لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) .

( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون )

( مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ، هل يستويان مثلا ؟ أفلا تذكرون ؟ ) . .

إن طول هذه الجملة ، وتنوع الإشارات والإيحاءات فيها ، وتنوع اللفتات والإيقاعات أيضا . . إن هذا كله يشي بما كانت تواجهه القلة المؤمنة ، في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة ؛ ويصور لنا حاجة الموقف إلى هذه المعركة التقريرية الإيحائية ؛ كما يصور لنا طبيعة هذا القرآن الحركية ؛ وهو يواجه ذلك الواقع ويجاهده جهادا كبيرا .

إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة ؛ ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها . والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون . يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة ؛ بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة . . إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبدا ، وإن سره لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير الله ، والدينونة للطاغوت من دون الله !

( أفمن كان على بينة من ربه ، ويتلوه شاهد منه ، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ؟ أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ، فلا تك في مرية منه ، إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) . .

وردت روايات شتى فيما هو المقصود بقوله تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ) . . وفي قوله تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ) . وفي عائد هذه الضمائر في : ( ربه )وفي ( يتلوه ) وفي ( منه ) . . وأرجحها - كما يبدو لي - هو أن المقصود بقوله تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ) هو رسول الله [ ص ] وبالتبعية له كل من يؤمن بما جاء به - وأن المقصود بقوله تعالى : ( ويتلوه شاهد منه )أي ويتبعه شاهد من ربه على نبوته ورسالته . وهو هذا القرآن الذي يشهد بذاته أنه وحي من الله لا يقدر عليه بشر . ( ومن قبله )- أي من قبل هذا الشاهد وهو القرآن ؛ " كتاب موسى " يشهد كذلك بصدق النبي [ ص ] سواء بما تضمنه من البشارة به ؛ أو بموافقة أصله لما جاء به محمد من بعده .

والذي يرجح هذا عندي هو وحدة التعبير القرآني في السورة - في تصوير ما بين الرسل الكرام وربهم ، من بينة يجدونها في أنفسهم ، يستيقنون معها أن الله هو الذي يوحي إليهم ، ويجدون بها ربهم في قلوبهم وجودا مستيقنا واضحا لا يخالجهم معه شك ولا ريبة . فنوح - عليه السلام - يقول لقومه : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ . . وصالح عليه السلام يقول الكلمة ذاتها : ال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير . . وشعيب عليه السلام يقولها كذلك : ( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، ورزقني منه رزقا ) . . فهو تعبير موحد عن حال واحدة للرسل الكرام مع ربهم ، تصور حقيقة ما يجدونه في أنفسهم من رؤية قلبية مستيقنة لحقيقة الألوهية في نفوسهم ؛ ولصدق اتصال ربهم بهم عن طريق الوحي أيضا . . وهذا التوحيد في التعبير عن الحال الواحدة مقصود قصدا في سياق السورة - كما أسلفنا في التعريف بها - لإثبات أن شأن النبي [ ص ] مع ربه ومع الوحي الذي تنزل عليه شأن سائر الرسل الكرام قبله ؛ مما يبطل دعاوى المشركين المفتراة عليه [ ص ] وكذلك لتثبيته هو والقلة المؤمنة معه على الحق الذي معهم ؛ فهو الحق الواحد الذي جاء به الرسل جميعا ، والذي أسلم عليه المسلمون من أتباع الرسل جميعا .

ويكون المعنى الكلي للآية : أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه . . حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه . وحيث يتبعه - أو يتبع يقينه هذا - شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني . وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله ، هو كتاب موسى الذي جاء إماما لقيادة بني إسرائيل ورحمة من الله تنزلت عليهم . وهو يصدق رسول الله [ ص ] بما تضمنه من التبشير به ، كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الاعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله .

يقول : أفمن كان هذا شأنه يكون موضعا للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين ؟ إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات . .

ثم يعرض مواقف الذين يؤمنون بهذا القرآن والذين يكفرون به من الأحزاب ، وما ينتظر هؤلاء من جزاء في الآخرة . ويعرج على تثبيت الرسول - [ ص ] - والذين يؤمنون بما معه من الحق ؛ فلا يقلقهم شأن المكذبين الكافرين ، وهم كثرة الناس في ذلك الحين :

( أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ، فلا تك في مرية منه ، إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) . .

وقد وجد بعض المفسرين إشكالا في قوله تعالى : ( أولئك يؤمنون به )إذا كان المقصود بقوله تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه )هو شخص رسول الله [ ص ] كما أسلفنا . . فإن أولئك " تعني جماعة يؤمنون بهذا الوحي وبتلك البينة . . ولا إشكال هناك . فالضمير في قوله تعالى ( أولئك يؤمنون به )يعود على " شاهد " وهو القرآن . وكذلك الضمير في قوله تعالى ( ومن قبله )فإنه يعود على القرآن كما أسلفنا . . فلا إشكال في أن يقول : ( أولئك يؤمنون به )- أي بهذا الشاهد أي بهذا القرآن - والرسول [ ص ] هو أول من آمن بما أنزل إليه ، ثم تبعه المؤمنون : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . . . )كما جاء في آية البقرة . . والآية هنا تشير إلى رسول الله [ ص ] وتدمج معه المؤمنين الذين آمنوا بما آمن به هو وبلغهم إياه . . وهو أمر مألوف في التعبير القرآني ، ولا إشكال فيه .

( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) . .

وهو موعد لا يخلف ، والله سبحانه هو الذي قدره ودبره !

( فلا تك في مرية منه ، إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) . .

وما شك رسول الله [ ص ] فيما أوحي إليه ، ولا امترى - وهو على بينة من ربه - ولكن هذا التوجيه الرباني عقب حشد هذه الدلائل والشواهد يشي بما كان يخالج نفس رسول الله [ ص ] من ضيق وتعب ووحشة من جراء تجمد الدعوة وكثرة المعاندين ، تحتاج كلها إلى التسرية عنه بهذا التوجيه والتثبيت . وكذلك ما كان يخالج قلوب القلة المسلمة من ضيق وكرب يحتاج إلى برد اليقين يتنزل عليهم من ربهم الرحيم .

وما أحوج طلائع البعث الإسلامي ؛ وهي تواجه مثل تلك الحال في كل مكان ؛ ويتآزر عليها الصد والإعراض ، والسخرية والاستهزاء ، والتعذيب والإيذاء ؛ والمطاردة بكل صورها المادية والمعنوية ؛ وتتضافر عليها كل قوى الجاهلية في الأرض من محلية وعالمية ؛ وتسلط عليها أبشع ألوان الحرب وأنكدها ؛ ثم تدق الطبول وتنصب الرايات لمن يحاربونها هذه الحرب ومن يطاردونها هذه المطاردة . . .

ما أحوج هذه الطلائع إلى تدبر هذه الآية بكل فقرة فيها ، وبكل إشارة ، وبكل لمحة فيها وكل إيماءة ! ما أحوجها إلى اليقين الذي يحمله التوكيد الرباني الحكيم :

( فلا تك في مرية منه ، إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) . .

وما أحوجها إلى أن تجد في نفوسها ظلالا لما كان يجده الرسل الكرام صلوات الله عليهم وسلامه من بينة من ربهم ، ومن رحمة لا يخطئونها ولا يشكون فيها لحظة ؛ ومن التزام بالمضي في الطريق مهما تكن عقبات الطريق :

( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير . . )

إن هذه الطلائع تتصدى لمثل ما كان يتصدى له ذلك الرهط الكريم من الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم جميعا - وتجد من الجاهلية مثلما كانوا يجدون . . لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء رسول الله [ ص ] إلى البشرية كلها بهذا الدين ؛ فواجهته بجاهليتها التي صارت إليها بعد الإسلام الذي جاءها به من قبل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان ويحيى وعيسى ، وسائر النبيين !

إنها الجاهلية التي تعترف بوجود الله - سبحانه - أولا تعترف . ولكنها تقيم الناس أربابا في الأرض يحكمونهم بغير ما أنزل الله ؛ ويشرعون لهم من القيم والتقاليد والأوضاع ما يجعل دينونتهم لهذه الأرباب لا لله . . ثم هي الدعوة الإسلامية للناس كافة أن ينحوا هذه الأرباب الأرضية عن حياتهم وأوضاعهم ومجتمعاتهم وقيمهم وشرائعهم ، وأن يعودوا إلى الله وحده يتخذونه ربا لا أرباب معه ؛ ويدينون له وحده . فلا يتبعون إلا شرعه ونهجه ، ولا يطيعون إلا أمره ونهيه . . ثم هي بعد هذه وتلك المعركة القاسية بين الشرك والتوحيد ، وبين الجاهلية والإسلام . وبين طلائع البعث الإسلامي وهذه الطواغيت في أرجاء الأرض والأصنام !

ومن ثم لا بد لهذه الطلائع من أن تجد نفسها وموقفها كله في هذا القرآن في مثل هذا الأوان . . وهذا بعض ما نعنيه حين نقول : ( إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة . ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها ، وإن الذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة ، بعيدا عن المعركة ، وبعيدا عن الحركة . . . ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره ، ويدخل في ذلك الإسلام دخولاً أولياً ، واقتصر عليه بعضهم بناءاً على أنه المناسب لما بعد ، وأصل البينة كما قيل : الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقاً ، وهاؤها للمبالغة ، أو النقل ، وهي وإن قيل : إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له ، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة ، والتنوين فيها هنا للتعظيم أي بينة عظيمة الشأن ، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه : { وَيَتْلُوهُ } أي يتبعه { شَاهِدٌ } عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو كما قال الحسين بن الفضل الإعجاز في نظمه ، ومعنى كون ذلك تابعاً له أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها فلا يستطيع أحد من الخلق جيلاً بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً . وكذا الضمير في { مِنْهُ } وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد ، ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه .

وجوز أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى الرب سبحانه ، ومعنى كونه منه تعالى أنه وارد من جهته سبحانه للشهاد ، وعلى هذا يجوز أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردة من قبله عز وجل ، وأمر التبعية فيها ظاهر ، والمراد بالموصول كل من اتصف بتلك الكينونة من المؤمنين .

وعن أبي العالية أنه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن قوله سبحانه الآتي : { أولئك } الخ لا يلائمه إلا أن يحمل على التعظيم ، وأيضاً إن السياق كما ستعلم إن شاء الله تعالى للفرق بين الفريقين المؤمنين . ومن يريد الحياة الدنيا لا بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وفسر أبو مسلم . وغيره البينة بالدليل العقلي ، والشاهد بالقرآن وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، ومن ابتدائية ، أو للقرآن فقد تقدم ذكره ، ومن حينئذٍ إما بيانية . وإما تبعيضية بناءاً على أن القرآن ليس كله شاهداً وليس من التجريد على ما توهم الطيبي ، فيكون في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي . والسمعي ، ومعنى كون الثاني تابعاً للأول على ما قيل : إنه موافق له لا يخالفه أصلاً ، ومن هنا قالوا : إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح ، ولذا أولوا الدليل السمعي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي ، ولعل في التعبير عن الأول بالبينة التي جاء إطلاقها في كلام الشارع على شاهدين ، وعن الثاني بالشاهد الإيماء إلى أن الدليل العقلي أقوى دلالة من الدليل السمعي لأن دلالة الأول قطعية .

ودلالة الثاني ظنية غالباً للاحتمالات الشهيرة التي لا يمكن القطع معها ، وقد يقال : إن التعبير عن الثاني بالشاهد لمكان التلو .

وعن ابن عباس . ومجاهد . والنخعي . والضحاك . وعكرمة . وأبي صالح . وسعيد بن جبير أن البينة القرآن ، والشاهد هو جبريل عليه السلام ويتول من التلاوة لا التلو ، وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، وفي رواية عن مجاهد أن الشاهد ملك يحفظ القرآن وليس المراد الحفظ المتعارف لأنه كما قال ابن حجر خاص بجبريل عليه السلام ، وضمير { مِنْهُ } كما في سابقه إلا أن يتلو من التلو والضمير المنصوب للبينة ، وقيل : لمن كان عليها ، وعن الفراء أن الشاهد هو الإنجيل ، { وَيَتْلُوهُ } وضمير { مِنْهُ } على طرز ما روي عن مجاهد سوى أن ضمير يتلوه للقرآن .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أن الشاهد لسانه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أهل اللغة ذلك ؛ وكذا الملك من معانيه ، و يتلو حينئذٍ من التلاوة ، والإسناد مجازي ومفعوله للبينة ، وضمير { مِنْهُ } للرسول صلى الله عليه وسلم بناءاً على أنه المراد بالموصول ، ومن تبعيضية ، وقيل : الشاهد صورته عليه الصلاة والسلام ومخايله لأن كل عاقل يراه يعلم أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله .

وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن ، فقال له رجل : ما نزل فيك ؟ قال : أما تقرأ سورة هود { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } الآية من كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد منه » ، وأخرج المنهال عن عبادة بن عبد الله مثله ، وأخرج ابن مردويه بوجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أنا { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } علي » .

وأخرج الطبرسي نحو ذلك عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وتعلق به بعض الشيعة في أن علياً كرم الله تعالى وجهه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى سماه شاهداً كما سمى نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك في قوله سبحانه : { إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } [ الفتح : 8 ] والمراد { شاهدا } على الأمة كما يشهد له عطف { مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } عليه فينبغي أن يكون مقامه كرم الله تعالى وجهه بين الأمة كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم ، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه أي يعقبه ويكون بعد دل على أنه خليفته ، وأنت تعلم أن الخبر مما لا يكاد يصح ، وفيما سيأتي في الآية إن شاء الله تعالى إباءً عنه ، ويكذبه ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر .

وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ . والطبراني في الأوسط عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال : قلت لأبي كرم الله تعالى وجهه : إن الناس يزعمون في قول الله تعالى : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } أنك أنت التالي ؟ قال : وددت أني هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، على أن في تقرير الاستدلال ضعفاً وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة .

ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفيه ما فيه ، وفي عطف يتلوه احتمالان : الأول : أن يكون على ما وقع صفة لبينة ، والثاني : أن يكون على جملة { كَانَ } ومرفوعها ، وقوله سبحانه : { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } عطف على { شَاهِدٌ } والضمير المجرور له ، وقد توسط الجار والمجرور بينهما ، والظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب أي { وَيَتْلُوهُ } في التصديق { كِتَابُ موسى } منزلاً من قبله ، وحاصله { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } ويشهد لصدقه شاهد منه وشاهد آخر من قبله وهو كتاب موسى ، قيل : وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفاً لازماً له غير مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو ، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالشاهد الإعجاز كما اختاره بعض المحققين وقد يقال : إن تأخير بيان شهادة هذا الشاهد عن بيان شهادة الشاهد الأول لأنها ليست في الظهور عند الأمة كشهادة الأول وهو جار على غير ذلك التقدير أيضاً ، وتخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر بناءً على عدم إرادة الإنجيل فيما تقدم لأن الملتين مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى .

وأوجب بعضهم كون { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } جملة مبتدأة غير داخلة في حيز شيء مما قبلها وهو مبني على كثير من الاحتمالات السابقة في الشاهد ، وقرأ محمد بن السائب الكلبي . وغيره { كِتَابٌ } بالنصب على أنه معطوف على مفعول يتلوه أو منصوب بفعل مقدر أي ويتلو كتاب موسى ، والأول أولى لأن الأصل عدم التقدير ، ويتلو في هذه القراءة من التلاوة ، والضمير المنصوب للقرآن والمجرور لمن ، و { مِنْ } تبعيضية لا تجريدية ، والمعنى على ما يقتضيه كلام الكشاف { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } على أن القرآن حق لا مفترى ، والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا وجدوه في التوراة ، ويقرأ القرآن شاهد من هؤلاء ، ويقرأ من قبل القرآن كتاب موسى ، والمراد بهذا الشاهد ما أريد به في قوله سبحانه : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ }

[ الأحقاف : 10 ] وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه ، ففي الآية مدح أهل الكتاب وخص من بينهم تالي الكتابين وشاهدهم بالذكر دلالة على مزيد فضله وتنبيهاً على أنهم مشايعوه في اتباع الحق وإن لم يبلغوا رتبة الشاهد ، وفي قوله تعالى : { *ويتلوه } استحضار للحال ودلالة على استمرار التلاوة ، وهو كما قيل في غاية التطابق للكلام { لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } أي مؤتماً به في الدين ومقتدى ، وفي التعرض لهذا الوصف مع بيان تلو الكتاب ما لا يخفى من تفخيم شأن المتلو والتنوين فيه للتعظيم ، وكذا في قوله سبحانه : { وَرَحْمَةً } أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب { أولئك } أي الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهي الكون على بينة { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي يصدقون بالقرآن حق التصديق حسبما يشهد به تلك الشواهد الحقة المعربة عن حقيته ولا يقلدون أحداً من عظماء الدين ؛ فالضمير للقرآن ، وقيل : إنه لكتاب موسى عليه السلام لأنه أقرب ولا يناسب ما بعد ، وإن لم يك خالياً عن الفائدة ، وقيل : إنه للنبي صلى الله عليه وسلم { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي بالقرآن ولم يعتد بتلك الشواهد الحقة ولم يصدق بها { مّن الاحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بعضهم ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أن الأحزاب الكفار مطلقاً فإنهم تحزبوا على الكفر ، وروي ذلك عن ابن جبير ، وفي رواية أبي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود . والنصارى ، وقال السدي : هم قريش ، وقال مقاتل : هم بنو أمية . وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي . وآل أبي طلحة بن عبيد الله { فالنار مَوْعِدُهُ } أي يردها لا محالة حسبما نطق به قوله سبحانه : { لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار } [ هود : 16 ] وآيات أخر ، والموعد اسم مكان الوعد كما في قول حسان

: أوردتموها حياض الموت ضاحية *** فالنار موعدها والموت لاقيها

وفي جعل النار موعداً إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب { فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى غبَّ ما شهدت به الشواهد وظهر فضل من تمسك به ، أو لا تك في شك من كون النار موعدهم ، وادعى بعضهم أنه الأظهر وليس كذلك ، وأياً مّا كان فالخطاب إن كان عاماً لمن يصلح له فالمراد التحريض على النظر الصحيح المزيل للشك ، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان لأنه ليس محلاً للشك تعريضاً بمن شك فيه ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعه ولا توقعه منه صلى الله عليه وسلم ، وقرأ السمعي .

وأبو رجاء . وأبو الخطاب السدوسي . والحسن { مِرْيَةٍ } بضم الميم وهي لغة أسد . وتميم ، والكسر لغة أهل الحجاز { أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } أي الذي يربيك في دينك ودنياك { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما لاستكبارهم وعنادهم و { الناس } على ما روى عن ابن عباس أهل مكة ، قال صاحب الفينان : جميع الكفار ، هذا والهمزة في { أَفَمَنِ } قيل : للتقرير و من مبتدأ والخبر محذوف أي أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، وحذف معادل الهمزة ومثله كثير ، واختار هذا أبو حيان ، والذي يقتضيه كلام الزمخشري ولعله الأولى خلافه حيث قال : المعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم ولا يقاربونهم في المنزلة إلى آخر ما قال ، وحاصله على ما في «الكشف » أن الفاء عاطفة للتعقيب مستدعية ما يعطف عليه وهو الدال عليه قوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الآية ، فالتقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة فمن كان على بينة من ربه ، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو يقربونهم ، والاستفهام للإنكار فيفيد أن لا تقارب بين الفريقين فضلاً عن التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } [ السجدة : 18 ] وأما إنها عطف على قوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } [ هود : 15 ] فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة ، ولا يدل على إنكار التماثل ، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأول فإن الشرط والجزاء لا إنكار عليه انتهى ، وهو جار على أحد مذهبين للنحاة في مثله ، ويعلم مما تقرر أن الآية مرتبطة بقوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الخ ، ومساقها عند شيخ الإسلام للترغيب أيضاً فيما ذكر من الإيمان بالقرآن . والتوحيد . والإسلام ، وادعى الطبرسي أنها مرتبطة بقوله تعالى : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } [ هود : 13 ] وأن المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } ولا بينة له على ذلك .

( ومن باب الإشارة ) : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أي يقين برهاني عقلي أو وجداني كشفي { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } وهو القرآن المصدق لذلك ، ومن هنا تؤيد الأدلة العقلية بالآيات النقلية القرآنية . ويحكم بكون الكشف صحيحاً إذا شهدت له ووافقته ، ولذا قالوا : كل كشف خالف ما جاء عن الله تعالى ليس بمعتبر { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } أي يتبع البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى عليه السلام في حالة كونه { إِمَاماً } يؤتم به في تحقيق المطالب { وَرَحْمَةً } [ هود : 17 ] لمن يهتدي به ، وهذا وجه في الآية ذكره بعضهم ، وقد قدمنا ما فيها من الاحتمالات ؛ وقد ذكروا أن المراد بيان بعدما بين مرتبتي من يريد الحياة الدنيا ومن هو على بينة من ربه .

وللصوفية قدست أسرارهم عبارات شتى في البينة فقال رويم : هي الإشراف عن القلوب والحكم على الغيوب ، وقال سيد الطائفة : هي حقيقة يؤيدها ظاهر العلم ، وقيل : غير ذلك ، وعن أبي بكر بن طاهر أن من كان على بينة من ربه كانت جوارحه وقفاً على الطاعات والموافقات ولسانه مشغولاً بالذكر ونشر الآلاء والنعماء وقلبه منوراً بأنوار التوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدين للحق في جميع الأوقات وكان عالماً بما يبدو من مكنون الغيوب ورؤيته يقين لا شك فيه وحكمه على الخلق كحكم الحق لا ينطق إلا بالحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق به فأنى يرى سواه

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

قوله تعالى : { أفمن كان على بينة } ، بيان ، { من ربه } ، قيل : في الآية حذف ، ومعناه : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، أو من كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة ، والمراد بالذي هو على بينة من ربه : النبي صلى الله عليه وسلم . { ويتلوه شاهد منه } ، أي : يتبعه من يشهد به بصدقه . واختلفوا في هذا الشاهد : فقال ابن عباس ، وعلقمة ، وإبراهيم ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وأكثر أهل التفسير : إنه جبريل عليه السلام . وقال الحسن وقتادة : هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى ابن جريج عن مجاهد قال : هو ملك يحفظه ويسدده . وقال الحسين بن الفضل : هو القرآن ونظمه وإعجازه . وقيل : هو على بن أبي طالب رضي الله عنه . قال علي : ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن ، فقال له رجل : وأنت أي شيء نزل فيك ؟ قال : { ويتلوه شاهد منه } . وقيل : شاهد منه هو الإنجيل . { ومن قبله } ، أي : ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : من قبل نزول القرآن . { كتاب موسى } ، أي : كان كتاب موسى ، { إماماً ورحمةً } ، لمن اتبعها ، يعني : التوراة ، وهي مصدقة للقرآن ، وشاهد للنبي صلى الله عليه وسلم ، { أولئك يؤمنون به } ، يعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب . { ومن يكفر به } ، أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : بالقرآن ، { من الأحزاب } ، من الكفار من أهل الملل كلها ، { فالنار موعده } .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أنا أبو طاهر الزيادي ، أنا محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه ، ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، ولا يهودي ، ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " .

قوله تعالى : { فلا تك في مرية منه } ، أي : في شك منه ، { إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون* } .