عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها . مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله :
ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم ! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم ! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم !
والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم ، ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين :
( فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ) . .
ولم يكن منتظرا غير ذاك ، ولكنه الإذلال والإعنات !
رأوه في هذا الحوار . ورأوه ماثلا وراءه . فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب .
وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه ، وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب : وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون :
{ وَقِيلَ } تقريعاً لهم وتهكماً بهم { ادعوا شُرَكَاءكُمْ } الذين زعمتم { فَدَعَوْهُمْ } لفرط الحيرة وإلا فليس هناك طلب حقيقة للدعاء ، وقيل : دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلباً ، والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه قيل : والظاهر من تعقيب صيغة الأمر بالفاء في قوله تعالى : { فَدَعَوْهُمْ } أنها لطلب الدعاء وإيجابه والأول أبلغ في تهويل أمر أولئك الكفرة والإشارة إلى سوء حالهم وأمر التعقيب بالفاء سهل { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة ، وجوز أن يكون المراد فلم يجيبوهم لأنهم في شغل شاغل عنهم ولعلهم ختم على أفواههم إذ ذاك { وَرَأَوُاْ العذاب } الظاهر أن الضمير للداعين وقال الضحاك : هو للداعين والمدعوين جميعاً ، وقيل : هو للمدعوين فقط وليس بشيء .
والظاهر أن الرؤية بصرية ورؤية العذاب إما على معنى رؤية مباديه أو على معنى رؤيته نفسه بتنزيله منزلة المشاهد ، وجوز أن تكون علمية والمفعول الثاني محذوف أي رأوا العذاب متصلاً بهم أو غاشياً لهم أو نحو ذلك . وأنت تعلم أن حذف أحد مفعولي أفعال القلوب مختلف في جوازه وتقدم آنفاً عن البعض أن الأكثرين على المنع فمن منع وقال في بيان المعنى ورأوا العذاب متصلاً بهم جعل متصلاً حالاً من العذاب { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } لو شرطية وجوابها محذوف أي لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب أو لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين مؤمنين لما رأوا العذاب .
/ واعترض بأن الدال على المحذوف رأوا العذاب وهو مثبت فلا يقدر المحذوف منفياً وهو غير وارد لأن الالتفات إلى المعنى وإذا جاز الحذف لمجرد دلالة الحال فإذا انضم إليها شهادة المقال كان أولى وأولى ، وجوز أن تكون { لَوْ } للتمني أي تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين فلا تحتاج إلى الجواب وقال صاحب التقريب : فيه نظر إذ حقه أن يقال لو كنا إلا أن يكون على الحكاية كأقسم ليضربن أو على تأويل رأوا متمنين هدايتهم .
وجوز على تقدير كونها للتمني أن يكون قد وضع لو أنهم كانوا مهتدين موضع تحيروا لرؤيته كان كل أحد يتمنى لهم الهداية عند ذلك الهول والتحير ترحماً عليهم أو هو من الله تعالى شأنه على المجاز كما قيل : في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ واتقوا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } [ البقرة : 103 ] ، وجعل الطيبي وضعه موضعه من إطلاق المسبب على السبب لأن تحيرهم سبب حامل على هذا القول .
وقال عليه الرحمة : إن النظم على هذا الوجه ينطبق ، واختار الإمام الرازي أنهاش رطية إلا أنه لم يرتض ما قالوه في تقدير الجواب فقال بعد نقل ما قالوه : وعندي أن الجواب غير محذوفة ، وفي تقريره وجوه أحدها : أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله سبحانه : { ادعوا شُرَكَاءكُمْ } فهناك يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار فيصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً ، فقال سبحانه : ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يبصرون شيئاً على معنى أنهم لم يروا العذاب لأنهم صاروا بحيث لا يبصرون شيئاً ، وثانيها : أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام إنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم : { وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ، ولكنها ليست كذلك ، والإتيان بمضير العقلاء على حسب اعتقاد القوم بهم ، وثالثها : أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية اه ولعمري أنه لم يأت بشيء وما يرد عليه أظهر من أن يخفى على من له أدنى تمييز بين الحي واللي .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وقيل} لكفار بني آدم {ادعوا شركاءكم} يقول سلوا الآلهة: أهم الآلهة؟ {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} يقول: سألوهم فلم تجبهم الآلهة، {لو أنهم كانوا يهتدون} من الضلالة يقول: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وقيل للمشركين بالله الآلهة والأنداد في الدنيا "ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ "الذين كنتم تدعون من دون الله، "فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ" يقول: فلم يُجيبوهم، "ورأَوُا العَذَابَ" يقول: وعاينوا العذاب، "لَوْ أنّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ" يقول: فودّوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا في الدنيا مُهتدين للحقّ.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وقيل ادعوا شركاءكم}... ادعوهم ليشفعوا لكم، ويقربوكم إلى الله على ما زعمتم في الدنيا، {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} أي لم يشفعوا لهم، ولم يستجيبوا، لما لم يجعل في وسعهم الإجابة لهم واجبا كائنا في الآخرة...
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
{ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} لما اتبعوهم ولما رأوا العذاب.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب... أو تحيروا عند رؤيته وسدروا فلا يهتدون طريقا.
{وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} والأقرب أن هذا على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة وأن العذاب ثابت فيهم، وكل ذلك على وجه التوبيخ، وفي ذكره ردع وزجر في دار الدنيا،..
{لو أنهم كانوا يهتدون} فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف وذكروا فيه وجوها... وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه أحدها: أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله: {ادعوا شركاءكم} فههنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئا فقال تعالى: {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} شيئا [ما] لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئا لا جرم ما رأوا العذاب. وثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب... وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{ادعوا شركاءكم}، على سبيل التهكم بهم، لأنه يعلم أنه لا فائدة في دعائهم، {فدعوهم}، هذا لسخافة عقولهم في ذلك الموطن أيضاً، إذ لم يعلموا أن من كان موجوداً منهم في ذلك الموطن لا يجيبهم، والضمير في {ورأوا} قال الضحاك ومقاتل: هو للتابع والمتبوع... وقال أبو عبد الله الرازي: وعندي أن الجواب غير محذوف، وفي تقريره وجوه... وقد أثنى على هذا الذي اختاره، وليس بشيء، لأنه بناه على أن الضمير في رأوا عائد على المدعوين، قال: وهم الأصنام. والظاهر أنه عائد على الداعين، كقوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب} ولأن حمل مهتدين على الأحياء في غاية البعد، لأن ما قدره هو جواب، ولا يشعر به أنه جواب، إذ صار التقدير عنده: لو كانوا من الأحياء رأوا العذاب، لكنها ليست من الأحياء، فلا ترى العذاب. ألا ترى إلى قوله: فلا جرم ما رأت العذاب؟
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدماً، لأنه لا طائل تحته، أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جواباً كما قيل "رب قول جوابه في السكوت "بقوله: {وقيل} أي ثانياً للأتباع تهكماً بهم وإظهاراً لعجزهم الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول، إظهاراً للاستهانة بهم، وأنهم من الذل والصغار بحيث يجيبون كل أمر كائناً من كان: {ادعوا} أي كلكم {شركاءكم} أي الذين ادعيتم جهلاً شركتهم ليدفعوا عنكم. وأضافهم هنا إليهم إشارة إلى أنهم لم يستفيدوا زعمهم أنهم شركاء الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- إلا أن أشركوهم فيما صرفوا إليهم من أموالهم وأقوالهم، وأزمانهم وأحوالهم {فدعوهم} تعللاً بما لا يغني، وتمسكاً بما يتحقق أنه لا يجدي، لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة {فلم يستجيبوا لهم} كما يحق لهم بما لهم من وصف عدم الإدراك، والعجز والهلاك {ورأوا} أي كلهم {العذاب} عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم، فكان الحال حينئذ مقتضياً لأن يقال من كل من يراهم: {لو أنهم كانوا} أي كوناً هو لهم صفة راسخة {يهتدون} أي يحصل منهم هدى ساعة من الدهر، تأسفاً على أمرهم، وتمنياً لخلاصهم، أو لو أن ذلك كان في طبعهم لنجوا من العذاب، أو لما رأوه أصلاً، أو لما اتبعوهم.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
{فَدَعَوْهُمْ} لفرط الحيرة وإلا فليس هناك طلب حقيقة للدعاء، وقيل: دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلباً، والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه قيل: والظاهر من تعقيب صيغة الأمر بالفاء في قوله تعالى: {فَدَعَوْهُمْ} أنها لطلب الدعاء وإيجابه، والأول أبلغ في تهويل أمر أولئك الكفرة والإشارة إلى سوء حالهم وأمر التعقيب بالفاء سهل... {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة، وجوز أن يكون المراد فلم يجيبوهم لأنهم في شغل شاغل عنهم ولعلهم ختم على أفواههم إذ ذاك.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أسند فعل القول إلى المجهول لأن الفاعل معلوم مما تقدم، أي وقال الله. والأمر مستعمل في الإطماع لتعقب الإطماع باليأس...
وقوله {فلم يستجيبوا لهم} هو محل التأييس المقصود من الكلام...
وأما قوله تعالى {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون}... والرؤية بصرية، أي وهم رأوا العذاب في حياتهم أي رأوا آثار عذاب الأمم الذين كذبوا الرسل وهذا في معنى قوله تعالى في سورة إبراهيم (45) {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم}؛ وجملة {لو أنهم كانوا يهتدون} شرط جوابه محذوف دل عليه {لو أنهم كانوا يهتدون} أي بالاتعاظ وبالاستدلال بحلول العذاب في الدنيا على أن وراءه عذاباً أعظم منه لاهتدوا فأقلعوا عن الشرك وصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لأنه يفيد معنى زائداً على ما أفادته جملة {فلم يستجيبوا لهم}.