ثم يرد أمرهم وأمر كل شيء إلى إرادة الله واختياره ، فهو الذي يخلق كل شيء ، ويعلم كل شيء ، وإليه مرد الأمر كله في الأولى والآخرة ، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم في الدنيا وله الرجعة والمآب . وما يملكون أن يختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم ، فالله يخلق ما يشاء ويختار :
( وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة ، سبحان الله وتعالى عما يشركون . وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون . وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون ) . .
وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم : ( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا )وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية . . يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة ! ولتقرير وحدانية الله ورد الأمر كله إليه في النهاية .
( وربك يخلق ما يشاء ويختار . ما كان لهم الخيرة ) . .
إنها الحقيقة التي كثيرا ما ينساها الناس ، أو ينسون بعض جوانبها . إن الله يخلق ما يشاء ؛ لا يملك أحد أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا ، ولا أن يعدل أو يبدل في خلقه شيئا . وإنه هو الذي يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال والتكاليف والمقامات ؛ ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصا ولا حادثا ولا حركة ولا قولا ولا فعلا . . ( ما كان لهم الخيرة )لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم ، ومرد الأمر كله إلى الله في الصغير والكبير . .
هذه الحقيقة لو استقرت في الأخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئا يحل بهم ، ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم ، ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم . فليسوا هم الذين يختارون ، إنما الله هو الذي يختار .
وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم . ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع - بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار - بالرضى والتسليم والقبول . فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك لله .
ولقد كان المشركون يشركون مع الله آلهة مدعاة ؛ والله وحده هو الخالق المختار لا شريك له في خلقه ولا في اختياره . .
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } خلقه من الأعيان والأعراض { وَيَخْتَارُ } عطف على يخلق ، والمعنى على ما قيل يخلق ما يشاؤه باختياره فلا يخلق شيئاً بلا اختيار ، وهذا مما لم يفهم مما يشاء فليس في الآية شائبة تكرار ، وقيل في دفع ما يتوهم من ذلك غير ما ذكر مما نقله ورده الخفاجي ولم يتعرض للقدح في هذا الوجه ، وأراه لا يخلو عن بعد ولي وجه في الآية سأذكره بعد إن شاء الله تعالى .
{ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } أي التخير كالطيرة بمعنى التطير وهما والاختيار بمعنى ، وظاهر الآية نفي الاختيار عن العبد رأساً كما يقوله الجبرية ، ومن أثبت للعبد اختياراً قال : إنه لكونه بالدواعي التي لو لم يخلقها الله تعالى فيه لم يكن كان في حيز العدم ، وهذا مذهب الأشعري على ما حققه العلامة الدواني قال : الذي أثبته الأشعري هو تعلق قدرة لعبد وإرادته الذي هو سبب عادي لخلق الله تعالى الفعل فيه ، وإذا فتشنا عن مبادئ الفعل وجدنا الإرادة منبعثة عن شوق له وتصور أنه ملائم وغير ذلك من أمور ليس شيء منها بقدرة العبد واختياره ، وحقق العلامة الكوراني في بعض رسائله المؤلفة في هذه المسألة أن مذهب السلف أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى وأن له اختياراً لكنه مجبور باختياره وأدعى أن ذلك هو مذهب الأشعري دون ما شاع من أن له قدرة غير مؤثرة أصلاً بل هي كاليد الشلاء ونفي الاختيار عنه على هذا نحوه على ما مر فإنه حيث كان مجبوراً به كان وجوده كالعدم ، وقيل : إن الآية أفادت نفي ملكهم للاختيار ويصدق على المجبور باختياره بأنه غير مالك للاختيار إذ لا يتصرف فيه كما يشاء تصرف المالك في ملكه ، وقيل : المراد لا يليق ولا ينبغي لهم أن يختاروا عليه تعالى أي لا ينبغي لهم التحكم عليه سبحانه بأن يقولوا لم لم يفعل الله تعالى كذا .
ويؤيده أن الآية نزلت حين قال الوليد بن المغيرة { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] أو حين قال اليهود لو كان الرسول إلى محمد صلى الله عليه وسلم غير جبريل عليه السلام لآمنا به على ما قيل ، والجملة على هذا الوجه مؤكدة لما قبلها أو مفسرة له إذ معنى ذلك يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء أن يختاره لا ما يختاره العباد عليه ولذا خلت عن العاطف وهي على ما تقدم مستأنفة في جواب سؤال تقديره فما حال العباد أو هل لهم اختيار أو نحوه ؟ فقيل : إنهم ليس لهم اختيار ، وضعف هذا الوجه بأنه لا دلالة على هذا المعنى في «النظم الجليل » وفيه حذف المتعلق وهو على الله تعالى من غير قرينة دالة عليه ، وكون سبب النزول ما ذكر ممنوع ، والقول الثاني فيه يستدعي بظاهره أن يكون ضمير لهم لليهود وفيه من البعد ما فيه ، وقيل : { مَا } موصولة مفعول يختار والعائد محذوف ، والوقف على يشاء لا نافية ، والوقف على يختار كما نص عليه الزجاج .
وعلي بن سليمان . والنحاس كما في الوجهين السابقين أي ويختار الذي كان لهم فيه الخير والصلاح ، واختياره تعالى ذلك بطريق التفضل والكرم عندنا وبطريق الوجوب عند المعتزلة ، وإلى موصولية ما وكونها مفعول يختار ذهب الطبري إلا أنه قال في بيان المعنى عليه : أي ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس ، وأنكر أن تكون نافية لئلا يكون المعنى أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل ، وادعى أبو حيان أنه روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما معنى ما ذهب إليه ، واعترض بأن اللغة لا تساعده لأن المعروف فيها أن الخيرة بمعنى الاختيار لا بمعنى الخير وبأنه لا يناسب ما بعده من تعالى قوله : { سبحان الله } الخ ، وكذا لا يناسب ما قبله من قوله سبحانه : { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } ، وضعفه بعضهم بأن فيه حذف العائد ولا يخفى أن حذفه كثير . وأجيب عما اعترض به الطبري بأنه يجوز أن يكون المراد بمعونة المقام استمرار النفي ؛ أو يكون المراد ما كان لهم في علم الله تعالى ذلك ، وهذا بعد تسليم لزوم كون المعنى ما ذكره لو أبقى الكلام على ظاهره . وقال ابن عطية : يتجه عندي أن يكون ما مفعول يختار إذا قدرنا كان تامة أي إن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه وقوله تعالى : { لَهُمُ الخيرة } جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله سبحانه لهم لو قبلوا وفهموا اه .
يعني والله تعالى أعلم أن المراد خيرة الله تعالى لهم أي اختياره لمصلحتهم . وللفاضل سعدي جلبي نحو هذا إلا أنه قال في قوله تعالى : { لَهُمُ الخيرة } إنه في معنى ألهم الخيرة بهمزة الاستفهام الإنكاري ، وذكر أن هذا المعنى يناسبه ما بعد من قوله سبحانه : { سبحان الله } الخ فإنه إما تعجيب عن إثبات الاختيار لغيره تعالى أو تنزيه له عز وجل عنه ، ولا يخفى ضعف ما قالاه لما فيه من مخالفة الظاهر من وجوه . ويظهر لي في الآية غير ما ذكر من الأوجه ، وهو أن يكون يختار معطوفاً على يخلق والوقف عليه تام كما نص عليه غير واحد وهو من الاختيار بمعنى الانتقاء والاصطفاء وكذا الخيرة بمعنى الاختيار بهذا المعنى والفعل متعد حذف مفعوله ثقة بدلالة ما قبله عليه أي ويختار ما يشاء ، وتقديم المسند إليه في كل من جانبي المعطوف والمعطوف عليه لإفادة الحصر ، وجملة ما كان لهم الخيرة مؤكدة لما قبلها حيث تكفل الحصر بإفادة النفي الذي تضمنته ، والكلام مسوق لتجهيل المشركين في اختيارهم ما أشركوه واصطفائهم إياه للعبادة والشفاعة لهم يوم القيامة كما يرمز إليه { ادعوا شُرَكَاءكُمْ } [ القصص : 64 ] وللتعبير بما وجه ظاهر ، والمعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه دون غيره ينتقي ويصطفي ما يشاء انتقاءه واصطفاءه فيصطفي مما يخلقه شفعاء ويختارهم للشفاعة ويميز بعض مخلوقاته جل جلاله على بعض ويفضله عليه بما شاء ما كان لهؤلاء المشركين أن ينتقوا ويصطفوا ما شاءوا ويميزوا بعض مخلوقاته تعالى على بعض ويجعلوه مقدماً عنده عز وجل على غيره لأن ذلك يستدعي القدرة الكاملة وعدم كون فاعله محجوراً عليه أصلاً وأنى لهم ذلك فليس لهم إلا اتباع اصطفاء الله تعالى وهو جل وعلا لم يصطف شركاءهم الذين اصطفوهم للعبادة والشفاعة على الوجه الذي اصطفوهم عليه فما هم إلا جهال ضلال صدوا عما يلزمهم وتصدوا لما ليس لهم بحال من الأحوال ، وإن شئت فنزل الفعل منزلة اللازم وقل المعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه لا غيره يفعل الاختيار والاصطفاء فيصطفي بعض مخلوقاته لكذا وبعضاً آخر لكذا ويميز بعضاً منها على بعض ويجعله مقدماً عنده تعالى عليه فإنه سبحانه قادر حكيم لا يسأل عما يفعل وهو جل وعلا أعظم من أن يعترض عليه وأجل ، ويدخل في الغير المنفي عنه ذلك المشركون فليس لهم أن يفعلوا ذلك فيصطفوا بعض مخلوقاته للشفاعة ويختاروهم للعبادة ويجعلوهم شركاء له عز وجل ويدخل في الاختيار المنفي عنهم ما تضمنه قولهم { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] فإن فيه انتقاء غيره صلى الله عليه وسلم من الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي وتمييزه بأهلية تنزيل القرآن عليه فإن صح ما قيل : في سبب نزول هذه الآية من أنه القول المذكور كان فيها رد ذلك عليهم أيضاً إلا أنها لتضمنها تجهيلهم باختيارهم الشركاء واصطفائهم إياهم آلهة وشفعاء كتضمنها الرد المذكور جيء بها هنا متعلقة بذكر الشركاء وتقريع المشركين على شركهم ، وربما يقال : إنها لما تضمنت تجهيلهم فيما له نوع تعلق به تعالى كاتخاذ الشركاء له سبحانه وفيما له نوع تعلق بخاتم رسله عليه الصلاة والسلام كتمييزهم غيره عليه الصلاة والسلام بأهلية الإرسال إليه وتنزيل القرآن عليه جيء بها بعد ذكر سؤال المشركين عن إشراكهم وسؤالهم عن جوابهم للمرسلين الناهين لهم عنه الذين عين أعيانهم وقلب صدر ديوانهم رسوله الخاتم لهم صلى الله عليه وسلم فلها تعلق بكلا الأمرين إلا أن تعلقها بالأمر الأول أظهر وأتم وخاتمتها تقتضيه على أكمل وجه وأحكم .
وربما يقال أيضاً : إن لها تعلقاً بجميع ما قبلها ، أما تعلقها بالأمرين المذكورين فكما سمعت ، وأما تعلقها بذكر حال التائب فمن حيث أن انتظامه في سلك المفلحين يستدعي اختيار الله تعالى إياه واصطفاءه له وتمييزه على من عداه ، ولذا جيء بها بعد الأمور الثلاثة وذكر انحصار الخلق فيه تعالى وتقديمه على انحصار الاختيار والاصطفاء مع أن مبنى التجهيل والرد إنما هو الثاني للإشارة إلى أن انحصار الاختيار من توابع انحصار الخلق ، وفي ذكره تعالى بعنوان الربوبية إشارة إلى أن خلقه عز وجل ما شاء على وفق المصلحة والحكمة وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام وهي في غاية الحسن إن صح ما تقدم عن الوليد سبباً للنزول ، ويخطر في الباب احتمالات أخر في الآية فتأمل فإني لا أقول ما أبديته هو المختار كيف وربك جل شأنه يخلق ما يشاء ويختار { سبحان الله } أي تنزه تعالى بذاته تنزهاً خاصاً به من أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره عز شأنه { وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن إشراكهم على أن ما مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة بتقدير مضاف أي عن مشاركة ما يشركونه به كذا قيل ، وجعل بعضهم { سبحان الله } تعجيباً من إشراكهم من يضرهم بمن يريد لهم كل خير تبارك وتعالى وهو على احتمال كون { مَا } فيما تقدم موصولة مفعول يختار ، والمعنى ويختار ما كان لهم فيه الخير والصلاح ، ويجوز أن يكون تعجيباً أيضاً من اختيارهم شركاءهم الذين أعدوهم للشفاعة وإقدامهم على ما لم يكن لهم وذلك بناءً على ما ظهر لنا وظاهر كلام كثير أن الآية ليست من باب الإعمال ، وجوز أن تكون منه بأن يكون كل من سبحان وتعالى طالباً عما يشركون والأفيد على ما قيل أن لا تكون منه .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَرَبّكَ" يا محمد "يَخْلُقُ ما يَشاءُ "أن يخلقه، "ويَخْتارُ" لولايته الخِيَرة من خلقه، ومن سبقت له منه السعادة. وإنما قال جلّ ثناؤه "ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيرَةُ" والمعنى: ما وصفت، لأن المشركين كانوا فيما ذُكِر عنهم يختارون أموالَهم، فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار للهداية والإيمان والعمل الصالح من خلقه ما هو في سابق علمه أنه خِيَرَتهم، نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم، فكذلك اختياري لنفسي واجتبائي لولايتي واصطفائي لخدمتي وطاعتي خيارَ مملكتي وخلقي... وقوله: "سبحانه وتعالى عَمّا يُشْرِكُونَ" يقول: تعالى ذكره، تنزيها لله وتبرئة له وعلوّا عما أضاف إليه المشركون من الشرك، وما تخرّصوه من الكذب والباطل عليه. وتأويل الكلام: سبحان الله وتعالى عن شركهم. وقد كان بعض أهل العربية يوجهه إلى أنه بمعنى: وتعالى عن الذي يشركون به.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وربك يختار للرسالة من يشاء، ويجتبيه لها، فيجعلهم رسلا {ما كان لهم الخيرة} يقول: لم يكن لهم أن يختاروا ويصطفوا من يشاؤون، ولكن الله يختار ويصطفي من يشاء، رد لقولهم: {لولا نزل هذا القرآن} الآية [الزخرف: 31] إلى هذا ذهب بعضهم. وجائز أن يكون هذا في كل أمر، أي وربك يختار ما يشاء، ويأمر {ما كان لهم الخيرة} من أمره أي التخلص والنجاة من أمره...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" سبحانه وتعالى عما يشركون "معناه ما عظم الله حق عظمته من أشرك في عبادته، لأن من تعظيمه إخلاص الإلهية له، وأنه الواحد فيما تفرد به على استحقاق العبادة.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
يختار ما يشاء ومَنْ يشاء من جملة ما يخلق. ومَنْ ليس إليه شيءٌ من الخَلْقِ.. فما له والاختيار؟! الاختيار للحقِّ استحقاقُ عِزٍّ يوجِبُ أن يكون ذلك له، لأنَّه لو لم يُنَفِّذْ مشيئتَه واختيارَه لم يكن بوصف العِزِّ، فَمَنْ بَقِيَ عن مُرادِه لا يكون إلاَّ ذليلاً؛ فالاختيارُ للحقِّ نعتُ عِزٍّ، والاختيارُ للخَلْقِ صفةُ نَقْصٍ ونعتُ بلاءٍ وقصور؛ فاختيارُ العَبْدِ غيرُ مُبَارَكٍ عليه لأنَّه صفةٌ هو غيرُ مُسْتَحِقٍّ لها، ومَنْ اتصف بما لا يليق به افتضح في نَفْسِه.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير: تستعمل بمعنى المصدر هو التخير، وبمعنى المتخير كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه {مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة} بيان لقوله: {وَيَخْتَارُ} لأنّ معناه: ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف. والمعنى: أنّ الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. قيل: السبب فيه قول الوليد بن المغيرة: {لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] يعني: لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم. وقيل: معناه ويختار الذي لهم فيه الخيرة، أي: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو أعلم بمصالحهم من أنفسهم، من قولهم في الأمرين: ليس فيهما خيرة لمختار... {سبحان الله} أي الله بريء من إشراكهم وما يحملهم عليه من الجراءة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
... ويحتمل أن يريد و {يختار} الله تعالى الأديان والشرائع وليس [لهم] الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: {سبحان الله وتعالى عما يشركون}... ويتجه عندي أن يكون {ما} مفعولة إذا قدرنا {كان} تامة أي أن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: {لهم الخيرة} جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا.
{سبحان الله وتعالى عما يشركون} والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
المراد بالاختيار هنا الاجتباء والاصطفاء. فهو اختيار بعد الخلق. والاختيار العام اختيار قبل الخلق. فهو أعم وأسبق. وهذا أخص وهو متأخر، فهو اختيار من الخلق والأول اختيار للخلق. وأصح القولين الوقف التام على قوله: {ويختار} ويكون {ما كان لهم الخيرة} نفيا. أي ليس هذا الاختيار إليهم، بل إلى الخالق وحده. فكما أنه هو المتفرد بالخلق، فهو المتفرد بالاختيار منه. فليس لأحد أن يخلق ولا يختار سواه. فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره ومحال رضاه، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له. وغيره لا يشاركه في ذلك بوجه... إن هذه الآية مذكورة عقب قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ * فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ * وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحا، فكانوا صفوته من عباده، وخيرته من خلقه، وكان هذا الاختيار راجعا إلى حكمته وعلمه سبحانه، لمن هو أهل له. لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم. فسبحان الله وتعالى عما يشركون.
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
بعد أن وبخهم فيما سلف على اتخاذهم الشركاء، وذكر أنه يسألهم عنهم يوم القيامة تهكما بهم وتقريعا لهم -أردف ذلك بتجهيلهم على اختيار ما أشركوه واصطفائهم إياه للعبادة، وأبان لهم أن تمييز بعض المخلوقات عن بعض، واصطفاءه على غيره من حق الله لا من حقكم أنتم، والله لم يصطف شركاءكم الذين اصطفيتموهم للعبادة والشفاعة، فما أنتم إلا جهال ضُلال.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية.. يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة! ولتقرير وحدانية الله ورد الأمر كله إليه في النهاية...
هذه الحقيقة لو استقرت في الأخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئا يحل بهم، ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم، ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم. فليسوا هم الذين يختارون، إنما الله هو الذي يختار. وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم. ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع -بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار- بالرضى والتسليم والقبول. فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك لله.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة}
هذا من تمام الاعتراض وهي جملة {فأما من تاب وءامن وعمل صالحاً} [القصص: 67] وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل، وقلوب غير منفتحة له فهي قاسية صماء، وأنه الذي اختار فريقاً على فريق. وفي « أسباب النزول» للواحدي « قال أهل التفسير نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه {وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] اه. يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. وهما المراد بالقريتين. وتبعه الزمخشري وابن عطية. فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله {ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65]، فإن قولهم {لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى: أن الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وهذا في معنى قوله {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124]، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم؛ والوجهان لا يتزاحمان.
والمقصود من الكلام هو قوله {ويختار} فذكر {يخلق ما يشاء} إيماء إلى أنه أعلم بمخلوقاته.
وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم.
وجوز أن يكون {ما} من قوله {ما كان لهم الخيرة} موصولة مفعولاً لفعل {يختار} وأن عائد الموصول مجرور ب (في) محذوفين. والتقدير: ويختار ما لهم فيه الخير، أي يختار لهم من الرسل ما يعلم أنه صالح بهم لا ما يشتهونه من رجالهم.
وجملة {ما كان لهم الخيرة} استئناف مؤكد لمعنى القصر لئلا يتوهم أن الجملة قبله مفيدة مجرد التقوي. وصيغة {ما كان} تدل على نفي للكون يفيد أشد مما يفيد لو قيل: ما لهم الخيرة، كما تقدم في قوله تعالى {وما كان ربك نسيَّاً} في سورة مريم (64).
والابتداء بقوله {وربك يخلق ما يشاء} تمهيد للمقصود وهو قوله {ويختار ما كان لهم الخيرة} أي كما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار.
و {الخيرة} بكسر الخاء وفتح التحتية: اسم لمصدر الاختيار مثل الطيرة اسم لمصدر التطير. قال ابن الأثير: ولا نظير لهما. وفي « اللسان» ما يوهم أن نظيرهما: سبي طيبة، إذا لم يكن فيه غدر ولا نقض عهد. ويحتمل أنه أراد التنظير في الزنة لا في المعنى، لأنها زنة نادرة.
واللام في {لهم} للملك، أي ما كانوا يملكون اختياراً في المخلوقات حتى يقولوا {لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31]. ونفي الملك عنهم مقابل لقوله {ما يشاء} لأن {ما يشاء} يفيد معنى ملك الاختيار.
وفي ذكر الله تعالى بعنوان كونه رباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه اختاره لأنه ربه وخالقه فهو قد علم استعداده لقبول رسالته.
{سبحان الله وتعالى عما يشركون}.
استئناف ابتدائي لإنشاء تنزيه الله وعلوه على طريقة الثناء عليه بتنزهه عن كل نقص وهي معترضة بين المتعاطفين. و {سبحان} مصدر نائب مناب فعله كما تقدم في قوله {قالوا سبحانك لا علم لنا} في سورة البقرة (32). وأضيف {سبحان} إلى اسمه العلم دون أن يقال: وسبحانه، بعد أن قال {وربك يعلم} [القصص: 69] لأن اسم الجلالة مختص به تعالى وهو مستحق للتنزيه بذاته لأن استحقاق جميع المحامد مما تضمنه اسم الجلالة في أصل معناه قبل نقله إلى العلمية.
والمجرور يتنازعه كلا الفعلين. ووجه تقييد التنزيه والترفيع ب (ما يشركون) أنه لم يجترئ أحد أن يصف الله تعالى بما لا يليق به ويستحيل عليه إلا أهل الشرك بزعمهم أن ما نسبوه إلى الله إنما هو كمال مثل اتخاذ الولد أو هو مما أنبأهم الله به، و {إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} [الأعراف: 28]. وزعموا أن الآلهة شفعاؤهم عند الله. وقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وأما ما عدا ذلك فهم معترفون بالكمال لله، قال تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25]. و {ما} مصدرية أي سبحانه وتعالى عن إشراكهم.
ويجوز {ما كان لهم الخيرة} أي: المؤمنون ما كان لهم أن يعترضوا على قبول توبة الله على المشركين الذين آذوهم، يقولون: لماذا تقبل منهم التوبة وقد فعلوا بنا كذا وكذا، وقد كنا نود أن نراهم يتقلبون في العذاب؟ والحق تبارك وتعالى يختار ما يشاء، ويفعل ما يريد، وحين يقبل التوبة من المشرك لا يرحمه وحده، ولكن يرحمكم أنتم أيضا حين يريحكم من شره...
وقوله: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي: تعالى الله وتنزه عما يريدون من أن ينزلوا الحق سبحانه على مرادات أصحاب الأهواء من البشر، ولو أن الحق سبحانه نزل على مرادات أصحاب الأهواء من البشر – وأهواؤهم مختلفة – لفسدت حياتهم جميعا.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} لأنهم لا يملكون من أمرهم شيئاً، فلا بد لهم من الانقياد إليه، والاتكال عليه، وتحريك إرادتهم في خط إرادته، لأنهم لا يملكون حرية التصرف بعيداً عن دائرة التشريع الإلهي، في ما كلَّفهم به، كما لا يملكون القدرة على التحرك بعيداً عن دائرة الإرادة الإلهية في حركة التكوين لينسجم الإنسان في ما يعتمد عليه نظام حياته العملي مع ما يعتمد عليه في وجوده الواقعي.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :
لقد تقدم في الآيات قبل هذه التنديد بالشرك وتوبيخ المشركين وتحديهم بدعاء شركائهم ليخلصوهم مما هم فيه من الذل والعذاب، وكان شركهم باختيارهم الخاص وإرادتهم الحرة إذ تبرأ منهم من اختاروهم آلهة مع الله فعبدوهم معه. وفي هذه الآية يكشف تعالى عن خطئهم في الاختيار... كان المفروض فيهم والمطلوب منهم أن يطلبوا من الله تعالى خالقهم أن يختار لهم ما يعبدون ويبين لهم كيف يعبدون، إذ هو مولاهم الحق ولا مولى لهم سواه أما أن يركبوا رؤوسهم ويختاروا بأنفسهم ما يعبدون فهذا ظلم منهم كبير استوجبوا به اللوم في الدنيا والعذاب في الآخرة.