في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ} (59)

44

على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولا . فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده :

( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) . .

وحكمة إرسال الرسول في أم القرى - أي كبراها أو عاصمتها - أن تكون مركزا تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد . وقد أرسل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في مكة أم القرى العربية . فهو ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير : ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) . . يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ} (59)

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى } بيان للعناية الربانية إثر بيان إهلاك القرى المذكورة أي وما صح وما استقام أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار بل كانت سنته عز وجل أن لا يهلكها { حتى يَبْعَثَ في أُمّهَا } أي في أصلها وكبيرتها التي ترجع تلك القرى إليها { رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا } الناطقة بالحق ويدعهم إليه بالترغيب والترهيب ، وإنما لم يهلكهم سبحانه حتى يبعث إليهم رسولاً لإلزام الحجة وقطع المعذرة بأن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ، وإنما كان البعث في أم القرى لأن في أهل البلدة الكبيرة وكرسي المملكة ومحل الأحكام فطنة وكيساً فهم أقبل للدعوة وأشرف .

وأخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم عن قتادة أن أم القرى مكة والرسول محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد بالقرى القرى التي كانت في عصره عليه الصلاة والسلام والأولى أولى ، والالتفات إلى نون العظمة في آياتنا لتربية المهابة وإدخال الروعة وقرئ { في أُمّهَا } بكسر الهمزة اتباعاً للميم { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى } عطف على { مَا كَانَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى } { إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون } استثناءً مفرغ من أعم الأحوال أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد ما بعثنا في أمها رسولاً يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الإهلاك بموجب السنة الإلهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ} (59)

ومن حكمته ورحمته أن لا يعذب الأمم بمجرد كفرهم قبل إقامة الحجة عليهم ، بإرسال الرسل إليهم ، ولهذا قال : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى } أي : بكفرهم وظلمهم { حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا } أي : في القرية والمدينة التي إليها يرجعون ، ونحوها يترددون ، وكل ما حولها ينتجعها ، ولا تخفى عليه أخبارها .

{ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } الدالة على صحة ما جاء به ، وصدق ما دعاهم إليه ، فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم ، بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة ، والأطراف النائية ، فإن ذلك مظنة الخفاء والجفاء ، والمدن الأمهات مظنة الظهور والانتشار ، وفي الغالب أنهم أقل جفاء من غيرهم .

{ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } بالكفر والمعاصي ، مستحقون للعقوبة . والحاصل : أن اللّه لا يعذب أحدا إلا بظلمه ، وإقامة الحجة عليه .