نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ} (59)

ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة ، دل على وطأ العدل بثمرة الغنى ، ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية فقال : { وما كان } أي كوناً ما { ربك } أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس { مهلك القرى } أي هذا الجنس كله بجرم وإن عظم { حتى يبعث في أمها } أي أعظمها وأشرفها ، لأن غيرها تبع لها ، ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من الناصرة ، وبعث في بيت المقدس { رسولاً يتلوا عليهم } أي أهل القرى كلهم { آياتنا } الدالة - بما لها من الجري على مناهيج العقول ، على ما ينبغي لنا من الحكمة ، وبما لها من الإعجاز - على تفرد الكلمة ، وباهر العظمة ، إلزاماً للحجة ، وقطعاً للمعذرة ، لئلا يقولوا { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً } ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول من أم القرى كلها ، وهي مكة البلد الحرام ، وفيها لأنها مع كونها مدينة تجري فيها الأمور على قانون الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها الكلمة ، فجمعت الأمرين لأن المرسل إليها جامع ، وحازت الأثرين لأن الختام به واقع ، وكان السر في جعل المؤيد لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه .

ولما غيّى الإهلاك بالإرسال تخويفاً ، ضرب له غاية أخرى تحريراً للأمر وتعريفاً ، ولكونه في سياق التجرؤ من أهل الضلال ، على مقامه العال ، بانتهاك الحرمات ، عبر بأداة العظمة فقال : { وما كنا } أي بعظمتنا وغنانا { مهلكي القرى } أي كلها ، بعد الإرسال { إلا وأهلها ظالمون* } أي عريقون في الظلم بالعصيان ، بترك ثمرات الإيمان .