ولقد كانوا يطلقون ألسنتهم بهجر القول وفحشه في مجالسهم ؛ وهم يتحلقون حول الأصنام في سامرهم بالكعبة . فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهد حسابهم على ما هم فيه ؛ وهم يجأرون طالبين الغوث ، فيذكرهم بسمرهم الفاحش ، وهجرهم القبيح . وكأنما هو واقع اللحظة ، وهم يشهدونه ويعيشون فيه ! وذلك على طريقة القرآن الكريم في رسم مشاهد القيامة كانها واقع مشهود .
والمشركون في تهجمهم على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعلى القرآن في نواديهم وفي سمرهم يمثلون الكبرياء الجاهلة ، التي لا تدرك قيمة الحق لأنها مطموسة البصيرة عمياء ، فتتخذ منه مادة للسخرية والهزء والاتهام . ومثل هؤلاء في كل زمان . وليست جاهلية العرب إلا نموذجا لجاهليات كثيرة خلت في الزمان ؛ وما تزال تظهر الآن بعد الآن !
{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } أي بالبيت ، والباء للسببية . وسوغ هذا الإضمار مع أنه لم يجر له ذكر اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم خدام البيت وقوامه وهذا ما عليه جمهور المفسرين ، وقريب منه كون الضمير للحرم ، وقال في البحر : الضمير عائد على المصدر الدال عليه { تنكصون } [ المؤمنون : 66 ] وتعقب بأنه لا يفيد كثير معنى فإن ذلك مفهوم من جعل مستكبرين حالاً . واعترض عليه بما فيه بحث . وذكر منذر بن سعيد أن الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحسنه أن في قوله تعالى : { قَدْ كَانَتْ ءايَتِى تتلى عَلَيْكُمْ } [ المؤمنون : 66 ] دلالة عليه عليه الصلاة والسلام ، والباء إما للتعدية على تضمين الاستكبار معنى التكذيب أو جعله مجازاً عنه وإما للسببية لأن استكبارهم ظهر ببعثته صلى الله عليه وسلم . وجوز أن يعود على القرآن المفهوم من الآيات أو عليها باعتبار تأويلها به وأمر الباء كما سمعت آنفاً ، وجوز أن تكون متعلقة بقوله تعالى : { سامرا } أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ؛ وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً ، والمعنى على ذلك وإن لم يعلق به { بِهِ } ويجوز على تقدير تعلقه بسامراً عود الضمير على النبي عليه الصلاة والسلام ، وكذا يجوز كون المعنى عليه وإن لم يعلق به ، وقيل : هي متعلقة بتهجرون وفيه من البعد ما فيه ، ونصب «سامراً » على الحال وهو اسم جمع كالحاج والحاضر والجامل والباقر ، وقيل : هو مصدر وقع حالاً على التأويل المشهور فهو يشمل القليل والكثير باعتبار أصله ؛ ولا يخفى أن مجيء المصدر على وزن فاعل نادر ومنه العافية والعاقبة .
والسمر في الأصل ظل القمر وسمي بذلك على ما في المطلع لسمرته ، وفي البحر هو ما يقع على السجر من صوء القمر ، وقال الراغب : هو سواد الليل ثم أطلق على الحديث بالليل . وفسر بعضهم السامر بالليل المظلم ، وكونه هنا بهذا المعنى وجعله منصوباً بما بعده على نزع الخافض ليس بشيء . وقرأ ابن مسعود . وابن عباس . وأبو حيوة . وابن محيصن . وعكرمة . والزعفراني . ومحبوب عن أبي عمرو «سمراً » بضم السين وسد الميم مفتوحة جمع سامر ، وابن عباس أيضاً . وزيد بن علي . وأبو رجاء . وأبو نهيك «سماراً » بزيادة ألف بعد الميم وهو جمع سامر أيضاً وهما جمعان مقيسان في مثل ذلك { تَهْجُرُونَ } من الهجر بفتح فسكون بمعنى القطع والترك ، والجملة في موضع الحال أي تاركين الحق أو القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن بن عباس لأتهجرون البيت ولا تعمرونه بما يليق به من العبادة .
وجاء الهجر بمعنى الهذيان كما في الصحاح يقال : هجر المريض يهجر هجراً إذا هذي ، وجوز أن يكون المعنى عليه أي تهذون في شأن القرآن أو النبي عليه الصلاة والسلام أو أصحابه رضي الله تعالى عنهم أو ما يعم جميع ذلك .
وفي الدر المصون ان ما كان بمعنى الهذيان هو الهجر بفتحتين .
وجوز أن يكون من الهجر بضم فسكون وهو الكلام القبيح ، قال الراغب : الهجر الكلام المهجور لقبحه وهجر فلان إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد وأهجر المريض إذا أتى بذلك من غير قصد . وفي المصباح هجر المريض في كلامه هذي والهجر بالضم اسم ومصدر بمعنى الفحش من هجر كقتل وفيه لغة أخرى أهجر بالألف وعلى هذه اللغة قراءة ابن عباس . وابن محيصن . ونافع . وحميد { تَهْجُرُونَ } بضم التاء وكسر الجيم وهي تبعد كون { تَهْجُرُونَ } في قراءة الجمهور من الهجر بمعنى القطع .
وقرأ ابن أبي عاصم بالياء على سبيل الالتفات . وقرأ ابن مسعود . وابن عباس أيضاً . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم ، وعكرمة . وأبو نهيك . وابن محيصن أيضاً . وأبو حيوة { تَهْجُرُونَ } بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم وشدها على أنه من مضاعف هجر من الهجر بالفتح أو بالضم فالمعنى تقطعون أو تهذون أو تفحشون كثيراً .
وقوله - تعالى - { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ } مقرر لمضمون ما قبله ، من إعراضهم عن آيات الله . ونكوصهم على أعقابهم عند سماعها .
والضمير فى { بِهِ } يرى جمهور المفسرين أنه يعود إلى البيت الحرام ، والباء للسببية .
وقوله : " سامرا " اسم جمع كحاج وحاضر وراكب ، مأخوذ من السمر وأصله ظل القمر وسمى بذلك لسمرته ، ثم أطلق على الحديث بالليل . يقال : سمر فلان يسمر - ككرم يكرم - إذا تحدث ليلاً مع غيره بقصد المسامرة والتسلية .
وقوله : { تَهْجُرُونَ } قرأه الجمهور - بفتح التاء وضم الجيم - مأخوذ من الهجر - بإسكان الجيم - بمعنى الصد والقطيعة ، أو من الهجر - بفتح الجيم - بمعنى الهذيان والنطق بالكلام الساقط ، بسبب المرض أو الجنون .
وقرأ نافع { تُهْجِرُونَ } بضم التاء وكسر الجيم - مأخوذ من هجر هجاراً إذا نطق بالكلام القبيح .
والمعنى : قد كانت آياتى تتلى عليكم - أيها المستغيثون من العذاب - فكنتم تعرضون عنها ، ولم تكتفوا بهذا الإعراض ، بل كنتم متكبرين على المسلمين بالبيت الحرام ، وكنتم تتسامرون بالليل حوله ، فتستهزئون بالقرآن ، وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبتعاليم الإسلام وتنطقون خلال سمركم بالقول الباطل ، الذى يدل على مرض قلوبكم ، وفساد عقولكم ، وسوء أدبكم .
وقوله : { مُسْتَكْبِرِينَ } و { سَامِراً } و { تَهْجُرُونَ } أحوال ثلاثة مترادفة على واو الفاعل فى { تَنكِصُونَ } أو متداخلة ، بمعنى أن كل كلمة منها حال مما قبلها .
قال القرطبى : { مُسْتَكْبِرِينَ } حال ، والضمير فى { بِهِ } قال الجمهور : هو عائد على الحرم ، أو المسجد ، أو البلد الذى هو مكة . وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته فى الأمر .
أى : يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف . وقيل : المعنى أنهم يعتقدون فى نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون لذلك .
وقالت فرقة : الضمير عائد على القرآن ، من حيث ذكرت الآيات .
والمعنى : يحدث لكم سماع آياتى كبرا وطغياناً فلا تؤمنوا بى . . . " .
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها تصور حسرة المشركين وجؤارهم يوم ينزل بهم العذاب تصويراً بديعاً ، كما تين ما كانوا عليه من غرور وسوء أدب ، مما جعلهم أهلاً لهذا المصير الأليم .
قوله : { مستكبرين به سامرا تهجرون } ( مستكبرين ) و ( سامرا ) منصوبان على الحال{[3183]} . و ( مستكبرين به ) أي مكذبين به . و ( سامرا ) اسم جنس ، يعني سُمارا . من السمر والمسامرة وهي الحديث بالليل . والمسامر أو السُّمار ، هم القوم يسمرون بالليل{[3184]} ؛ فقد كانت قريش تسمر مجالس في كفرها وأباطيلها حول الكعبة . وهم يهجرون ؛ أي يخوضون في الباطل ويتكلمون بالفحش والمنكر والسيء من القول في القرآن وفي رسول الله ( ص ) .
والضمير في قوله ( به ) فيه ثلاثة أقوال :
القول الأول : إن المراد به الحرام ، أي مكة ؛ فقد ذم الله المشركين ؛ لأنهم كانوا يسمرون في الحرم بالهجر من الكلام الفاحش ، والمنكر من القول .
القول الثاني : إن المراد به القرآن ؛ فقد كانوا يسمرون ويذكرون القرآن الكريم بالهجر من الكلام الباطل . فيقول : إنه سحر ، إنه شعر ، إنه كهانة . . . إلى غير هذه الافتراءات والأباطيل التي كان المشركون يأتفكونها ائتفاكا .
القول الثالث : إن المراد به رسول الله ( ص ) ؛ فقد كان المشركون يذكرونه في سمرهم بفاحش الكلام والسوء من القول ، فيقولون : إنه شاعر ، إنه كاهن ، إنه ساحر . إنه مجنون ، إنه كذاب .
والأظهر من هذه الأقوال ، أولها . وهو قول الجمهور . وهو أن الضمير عائد على الحرم ؛ فقد كان المشركون يفتخرون بأنهم أولياء الحرم . وكانوا يقولون : نحن أهل حرم الله ونحن أولى الناس به فلا نخاف . وهم في الحقيقة ليسوا غير ظالمين مشركين سفهاء ، لا يدينون دين الحق ، ولا يذهبون غير مذهب الضلالة والباطل والسخف{[3185]} .