وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة الله في الدعوات ، وفي النصر والهزيمة ، وفي العمل والجزاء . ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ، وزاده الصبر على مشاق الطريق ، وليس زاده التمني والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص :
( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين . ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه . فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) . .
إن صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور : تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان : أسلمت وأنا على استعداد للموت . فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان ، وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان !
إنما هي التجربة الواقعية ، والامتحان العملي . وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء ، ثم الصبر على تكاليف الجهاد ، وعلى معاناة البلاء .
وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى :
( ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) . . ( ويعلم الصابرين ) . .
فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون . إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضا . التكاليف المستمرة المتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان . فربما كان الجهاد في الميدان أخف تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر ، ويختبر بها الإيمان . إنما هنالك المعاناة اليومية التي لا تنتهي : معاناة الاستقامة على أفق الإيمان . والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك ، والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني : في النفس وفي الغير ، ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليومية . والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر ! والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات . والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال . . والصبر على أشياء كثيرة ليس الجهاد في الميدان إلا واحدا منها ، في الطريق المحفوف بالمكاره . طريق الجنة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان !
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } خطاب للمنهزمين يوم أحد وهو كلام مستأنف ( سيق ) لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر من العلل الثلاث الأول ، و { أَمْ } منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري ، وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف ، والإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادىء الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى ، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها .
{ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } حال من ضمير { تَدْخُلُواْ } مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر من غير عمل ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عن العقول ، ولهذا قيل :
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبس
وورد عن شهر بن حوشب طلب الجنة من غير عمل ، ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب ، نوع من الغرور ، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع ، حمق وجهالة ، ونفي العلم باعتبار تعلقه التنجيزي كما مر في الإثبات على رأي . ويجوز أن يكون الكلام كناية عن نفي تحقق ذلك لأن نفي العلم من لوازم نفي التحقق ؛ إذ التحقق ملزوم علم الله تعالى ، ونفي اللازم لازم نفي الملزوم وكثيراً ما يقال : ما علم الله تعالى في فلان خيراً ويراد ما فيه خير حتى يعلمه ، وهل يجري ذلك في نفي علمنا أم لا ؟ فيه تردد والذي قطع به صاحب «الانتصاف » الثاني ، وإيثار الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد وهو عدم تحقق الجهاد الذي هو سبب للفوز الأعظم منهم لما أن الكلام عليها كدعوى الشيء ببينة ، وفي ذلك رمز أيضاً إلى ترك الرياء ، وأن المقصود علم الله تعالى لا الناس ، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف الذي هو الجهاد للمبالغة في بيان انتقاء ذلك ، وعدم تحققه أصلاً وكيف تحقق صفة بدون موصوف ، وفي اختيار { لَّمّاً } على لم إشارة إلى أن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل بناءاً على ما يفهم من كلام سيبويه أن ( لما ) تدل على توقع الفعل المنفي بها ، وقد ذكر الزجاج أنه إذا قيل : قد فعل فلان ، فجوابه لما يفعل ، وإذا قيل : فعل ؟ فجوابه لم يفعل ، فإذا قيل : لقد فعل ، فجوابه ما فعل كأنه قال : والله لقد فعل فقال المجيب : والله ما فعل ، وإذا قيل : هو يفعل يريد ما يستقبل ، فجوابه لا يفعل ، وإذا قيل : سيفعل ، فجوابه لن يفعل ، فقول أبي حيان : «إن القول بأن لما تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره » غير متعدّ به ، نعم هذا التوقع هنا غير معتبر في تأكيد الإنكار ، وقرىء ، { وَيَعْلَمَ } بفتح الميم على أن أصله يعلمن بنون خفيفة فحذفت في الدرج ، وقد أجازوا حذفها إما بشرط ملاقاة ساكن بعدها أومطلقاً ، ومن ذلك قوله :
إذا قلت قدني قال بالله حلفة *** لتغني عني ذا أنائك أجمعا
على رواية فتح اللام ؛ وقيل : إن فتح الميم لاتباع اللام ليبقى تفخيم اسم الله عز اسمه ، و { مّنكُمْ } حال من { الذين } و ( من ) فيه للتبعيض ، فيؤذن بأن الجهاد فرض كفاية .
{ وَيَعْلَمَ الصابرين } نصب بإضمار أن ، وقيل : بواو الصرف ، والكلام على طرز لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما ، وإيثار الصابرين على الذين صبروا للإيذان بأن المعتبر هو الاستمرار على الصبر وللمحافظة على رؤوس الآي ، وقيل : الفعل مجزوم بالعطف على المجزوم قبله وحرك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة والاتباع ، ويؤيد ذلك قراءة الحسن { وَيَعْلَمَ الصابرين } بكسر الميم ، وقرىء { وَيَعْلَم } بالرفع على أن الواو للاستئناف أو للحال بتقدير وهو يعلم ، وصاحب الحال الموصول كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } أي تلجوا عالم القدس { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ آل عمران : 142 ] أي ولم يظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات وصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة ليتجلى للأرواح أنوار الحقيقة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.