في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (67)

وعندما يصل السياق إلى هذا الحد في استعراض تلك النماذج من أقوال المنافقين وأعمالهم وتصوارتهم ، يعمد إلى تقرير حقيقة المنافقين بصفة عامة ، وعرض الصفات الرئيسية التي تميزهم عن المؤمنين الصادقين ، وتحديد العذاب الذي ينتظرهم أجمعين :

( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، ويقبضون أيديهم . نسوا اللّه فنسيهم . إن المنافقين هم الفاسقون . وعد اللّه المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها ؛ هي حسبهم ، ولعنهم اللّه ، ولهم عذاب مقيم ) .

المنافقون والمنافقات من طينة واحدة ، وطبيعة واحدة . المنافقون في كل زمان وفي كل مكان . تختلف أفعالهم وأقوالهم ، ولكنها ترجع إلى طبع واحد ، وتنبع من معين واحد . سوء الطوية ولؤم السريرة ، والغمز والدس ، والضعف عن المواجهة ، والجبن عن المصارحة . تلك سماتهم الأصيلة . أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس . وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما ، ويفعلون ذلك دساً وهمساً ، وغمزاً ولمزاً ، لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون . إنهم ( نسوا الله )فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة ، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم( فنسيهم )الله فلا وزن لهم ولا اعتبار . وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس ، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله . وما يحسب الناس حساباً إلا للرجال الأقوياء الصرحاء ، الذين يجهرون بآرائهم ، ويقفون خلف عقائدهم ، ويواجهون الدنيا بأفكارهم ، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار . أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس ، فلا يخشون في الحق لومة لائم ، وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم .

( إن المنافقين هم الفاسقون ) .

فهم خارجون عن الإيمان ، منحرفون عن الطريق ، وقد وعدهم الله مصيراً كمصير الكفار :

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (67)

{ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي متشابهون في النفاق كتشابه أبعاض الشيء الواحد ، والمراد الاتحاد في الحقيقة والصورة كالماء والتراب ، والآية متصلة بجميع ما ذكر من قبائحهم ، وقيل : هي متصلة بقوله تعالى : { يَحْلِفُونَ بالله * إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } [ التوبة : 56 ] والمراد منها تكذيب قولهم المذكور وإبطال له وتقرير لقوله سبحانه : { وَمَا هُم مّنكُمْ } [ التوبة : 56 ] وما بعد من تغاير صفاتهم وصفات المؤمنين كالدليل على ذلك ، و { مِنْ } على التقريرين اتصالية كما في قوله عليه الصلاة والسلام : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى » والتعرض لأحوال الإناث للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق { يَأْمُرُونَ بالمنكر } أي بالتكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف } أي شهادة أن لا إله إلا الله وإلا قرار بما أنزل الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .

وأخرج عن أبي العالية أنه قال : كل منكر ذكر في القرآن المراد منه عبادة الأوثان والشيطان ، ولا يبعد أن يراد بالمنكر والمعروف ما يعم ما ذكر وغيره ويدخل فيه المذكور دخولاً أولياً ، والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق مفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين أو خير ثان { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } عن الانفاق في طاعة الله ومرضاته كما روي عن قتادة . والحسن ، وقبض اليد كناية عن الشح والبخل كما أن بسطها كناية عن الجود لأن من يعطي يمد يده بخلاف من يمنع ، وعن الجبائي أن المراد يمسكون أيديهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى وهو خلاف الشائع في هذه الكلمة { نَسُواْ الله } النسيان مجاز عن الترك وهو كناية عن ترك الطاعة فالمراد لم يطيعوه سبحانه { فَنَسِيَهُمْ } منه لطفه وفضله عنهم ، والتعبير بالنسيان للمشاكلة { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } أي الكاملون في التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل حتى كأنهم الجنس كله ، ومن هنا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الخبر وإلا فكم فاسق سواهم .

والاظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير ، ولعله لم يذكر المنافقات اكتفاء بقرب العهد ، ومثله في نكتة الاظهار قوله سبحانه :

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي هم متشابهون في القبح والرداءة وسوء الاستعداد { يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } أي يبخلون أو يبغضون المؤمنين فهو إشارة إلى معنى قوله سبحانه : { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } [ آل عمران : 119 ] أو لا ينصرون المؤمنين أو لا يخشعون لربهم ويرفعون أيديهم في الدعوات { نَسُواْ الله } لاحتجابهم بما هم فيه { فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة : 67 ] من رحمته وفضله