في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (110)

105

وبعد هذه الحملة الغاضبة على الخونة الأثمة ، والعتاب الشديد للمنافحين عنهم والمجادلين . يجيء تقرير القواعد العامة لهذه الفعلة وآثارها . وللحساب عليها والجزاء . ولقاعدة الجزاء عامة . القاعدة العادلة التي يعامل بها الله العباد . ويطلب إليهم أن يحاولوا محاكاتها في تعاملهم فيما بينهم ، وأن يتخلقوا بخلق الله - خلق العدل - فيها :

( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ، ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما . ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه . وكان الله عليما حكيما ) . . ومن يكسب خطيئة أو إثما ، ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينًا . .

إنها آيات ثلاث تقرر المبادىء الكلية التي يعامل بها الله عباده ؛ والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضا بها ، ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء .

الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه ، وباب المغفرة على سعته ؛ وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول :

( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ، ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيمًا . . ) إنه - سبحانه - موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب . . والذي يعمل السوء يظلم غيره . ويظلم نفسه . وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه . . وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين ؛ ويغفر لهم ويرحمهم متى جاءوه تائبين . هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بواب ! حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفورا رحيما . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (110)

قوله تعالى : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) .

في قوله : ( ومن يعمل سوءا . . ) ما يتضمن التوبة لبني أبيرق هؤلاء الذين نافقوا وافتروا . فإذا ما تابوا إلى ربهم واستغفروه فإنه متجاوز لهم عمّا ارتكبوه من سيئة السرقة والافتراء ، وكذلك عن تلطخهم بالشرك الذي ظلموا به أنفسهم . ومعلوم أن النفاق قرين الشرك ، وكلاهما مما تنفتل به القلوب عن الله إلى ما سواه من غايات ومقاصد .

وقيل إنها نزلت في وحشي " قاتل حمزة لتتقرر توبة الله عليه إن هو آمن وأناب والصواب الذي يترجّح أن هذه الآية تفيد العموم لتزجي بحقيقة أساسية كبرى وهي أن من تاب فقد تاب الله عليه مهما اقترف من الخطايا والذنوب . والله تباركت أسماؤه وهو الغفّار المتفضّل المنّان يقبل التوبة عن عباده ويأتي على الذنوب ليمحوها جميعا بعد أن يؤوب العبد إلى ربه مستغفرا نادما .

وقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن علي ( رضي الله عنه ) قال : حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال : قال رسول الله ( ص ) : " ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له " .

وجملة القول في ذلك أن من يقترف الخطيئة أو يظلم نفسه بإيقاعها في المعاصي والذنوب ثم يطلب من الله المغفرة بعد ذلك لسوف يجد أن الله غفور لذنبه ، رحيم به . وذلك هو شأن الله جلت قدرته في التجاوز عن الخطايا والرحمة بالعباد . لا جرم أن ذلك ترغيب من الله لمن قارف شيئا من الذنوب والمعاصي ، لكي يبادر بالتوبة والاستغفار فيحظى من الله بالرحمة والغفران .