في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا} (102)

95

وبمناسبة الحديث عن صلاة الضارب في الأرض ، الخائف من فتنة الذين كفروا ، يجيء حكم صلاة الخوف في أرض المعركة ؛ وتحتشد جنبات هذا الحكم الفقهي بلمسات نفسية وتربوية شتى :

( وإذا كنت فيهم ، فأقمت لهم الصلاة ، فلتقم طائفة منهم معك ، وليأخذوا أسلحتهم ؛ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم . ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ؛ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ، فيميلون عليكم ميلة واحدة . ولا جناح عليكم - إن كان بكم أذى من مطر ، أو كنتم مرضى - أن تضعوا أسلحتكم . وخذوا حذركم ، إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) . ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم . فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتًا ) . .

إن المتأمل في أسرار هذا القرآن ؛ وفي أسرار المنهج الرباني للتربية ، المتمثل فيه ، يطلع على عجب من اللفتات النفسية ، النافذة إلى أعماق الروح البشرية . ومنها هذه اللفتة في ساحة المعركة إلى الصلاة . .

إن السياق القرآني لا يجيء بهذا النص هنا لمجرد بيان الحكم " الفقهي " في صفة صلاة الخوف . ولكنه يحشد هذا النص في حملة التربية والتوجيه والتعليم والإعداد للصف المسلم وللجماعة المسلمة .

وأول ما يلفت النظر هو الحرص على الصلاة في ساحة المعركة ! ولكن هذا طبيعي بل بديهي في الاعتبار الإيماني . إن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة . بل أنها السلاح ! فلا بد من تنظيم استخدام هذا السلاح ، بما يتناسب مع طبيعة المعركة ، وجو المعركة !

ولقد كان أولئك الرجال - الذين تربوا بالقرآن وفق المنهج الرباني - يلقون عدوهم بهذا السلاح الذي يتفوقون فيه قبل أي سلاح . لقد كانوا متفوقين في إيمانهم بإله واحد يعرفونه حق المعرفة ؛ ويشعرون أنه معهم في المعركة . متفوقين كذلك في إيمانهم بهدف يقاتلون من أجله ؛ ويشعرون أنه أرفع الأهداف جميعا . متفوقين أيضا في تصورهم للكون والحياة ولغاية وجودهم الإنساني ، تفوقهم في تنظيمهم الاجتماعي الناشى ء من تفوق منهجهم الرباني . . وكانت الصلاة رمزا لهذا كله ، وتذكير بهذا كله . ومن ثم كانت سلاحا في المعركة . بل كانت هي السلاح !

والأمر الثاني الذي يلفت النظر في هذا النص هو هذه التعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو . وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم ، ليميل عليهم ميلة واحدة ! ومع هذا التحذير والتخويف ، التطمين والتثبيت ؛ إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قوما كتب الله عليهم الهوان : ( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينًا ) . . وهذا التقابل بين التحذير والتطمين ؛ وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر وسكب فيض الثقة ؛ هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة والصف المسلم ، في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم !

أما كيفية صلاة الخوف ؛ فتختلف فيها آراء الفقهاء ، أخذا من هذا النص ، ولكننا نكتفي بالصفة العامة ، دون دخول في تفصيل الكيفيات المتنوعة .

( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ، فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم . ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك . وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) . .

والمعنى : إذا كنت فيهم فأممتهم في الصلاة ، فلتقم طائفة منهم تصلي معك الركعة الأولى . على حين تقف طائفة أخرى بأسلحتها من ورائكم لحمايتكم . فإذا أتمت الطائفة الأولى الركعة الأولى رجعت فأخذت مكان الحراسة ، وجاءت الطائفة التي كانت في الحراسة ولم تصل . فلتصل معك ركعة كذلك . [ وهنا يسلم الإمام إذ يكون قد أتم صلاته ركعتين ] .

عندئذ تجيء الطائفة الأولى فتقضي الركعة الثانية التي فاتتها مع الإمام . وتسلم - بينما تحرسها الطائفة الثانية - ثم تجيء الثانية فتقضي الركعة الأولى التي فاتتها وتسلم - بينما تحرسها الطائفة الأولى . .

وبذلك تكون الطائفتان قد صلتا بإمامة الرسول [ ص ] وكذلك مع خلفائه وأمرائه ، وأمراء المسلمين [ منهم ] في كل معركة .

( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ، فيميلون عليكم ميلة واحدة ) . .

وهي رغبة في نفوس الكفار تجاه المؤمنين دائمة . والسنون تتوالى ، والقرون تمر ، فتؤكد هذه الحقيقة ، التي وضعها الله في قلوب المجموعة المؤمنة الأولى . وهو يضع لها الخطط العامة للمعركة . كما يضع لها الخطة الحركية أحيانا . على هذا النحو الذي رأينا في صلاة الخوف .

على أن هذا الحذر ، وهذه التعبئة النفسية ، وهذا الاستعداد بالسلاح المستمر ، ليس من شأنه أن يوقع المسلمين في المشقة . فهم يأخذون منه بقدر الطاقة :

( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ، أو كنتم مرضى ، أن تضعوا أسلحتكم ) فحمل السلاح في هذه الحالة يشق ، ولا يفيد . ويكفي أخذ الحذر ؛ وتوقع عون الله ونصره : ( وخذوا حذركم . إن الله أعد للكافرين عذابا مهينًا ) . .

ولعل هذا الاحتياط ، وهذه اليقظة ، وهذا الحذر يكون أداة ووسيلة لتحقيق العذاب المهين الذي أعده الله للكافرين . فيكون المؤمنون هم ستار قدرته ؛ وأداة مشيئته . . وهي الطمأنينة مع ذلك الحذر ؛ والثقة في النصر على قوم أعد الله لهم عذابا مهينا . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا} (102)

قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) هذه صلاة الخوف يؤديها المسلمون في ساحة الجهاد إن كانوا يخشون العدو المتربص بهم والذين يتحيّن فيهم ساعة من غفلة أو انشغال . والعدو المتربص ماكر حاقد يودّ للإسلام أن يتهدّم أو يتداعى ويتمنّى للمسلمين سوء الحال من الهزيمة والدمار ؛ ولذلك شرع الله لعباده المؤمنين هذا الضرب من الصلاة ليكونوا على حذر وليفوتّوا على أعدائهم المتربصين أية فرصة ينفذون منها لمحاربتهم والقضاء عليهم .

وقد ورد في صلاة الخوف من حيث كيفيتها وصفتها روايات كثيرة نقتصر منها على ثلاث لتتضح من خلالها صورة وافية مستبينة عن هذه الصلاة .

الرواية الأولى : وهي عن الإمام أحمد فقد أخرج بإسناده ، عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله ( ص ) بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد بيننا وبين القبلة فصلّى بنا رسول الله ( ص ) الظهر فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم . ثم قالوا : يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم . فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) قال : فحضرت- يعني الصلاة- فأمرهم رسول الله ( ص ) فأخذوا السلاح قال : فصففنا خلفه صفين قال : ثم ركع فركعنا جميعا ، ثم سجد النبي ( ص ) بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدّم هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء ، ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد النبي ( ص ) والصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلس الآخرون فسجدوا ثم سلّم عليهم ثم انصرف " .

الرواية الثانية : وهي عن الإمام أحمد أيضا بإسناده عن جابر بن عبد الله قال : قاتل رسول الله ( ص ) محارب حفصة رجل منهم يقال غرس بن الحرث حتى قام على رسول الله ( ص ) بالسيف فقال : من يمنعك مني ؟ ! " قال : الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ( ص ) فقال : من منعك مني ؟ قال : كن خير آخذ . قال " أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " قال : لا ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلّى سبيله ، فقال : جئتكم من عند خير الناس . فلما حضرت الصلاة صلّى رسول الله ( ص ) صلاة الخوف فكان الناس طائفتين ، طائفة بإزاء العدوّ وطائفة صلّوا مع رسول الله ( ص ) فصلّى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا ، فكانوا مكان الطائفة الذين بإزاء العدو ، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو مع رسول الله ( ص ) ركعتين فكان لرسول الله ( ص ) أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين " .

الرواية الثالثة : وهي عن البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : قام النبي ( ص ) وقام الناس معه فكبّروا وكبّروا معه ، وركع وركع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوا معه ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة ولكن يحرس بعضهم بعضا .

هذه روايات ثلاث من أخرى كثيرة تتعلق كلها بصلاة الخوف وهي بأسانيد صحيحة وقوية . وما يبدو من اختلاف أو تعارض بين تلك الروايات لا يقلل من أهميتها أو اعتماد واحدة منها . والاختلاف أو التعارض- كما يبدو- قد جاء تبعا لاختلاف الظروف والمناسبات العسكرية التي كانت تمر بالمسلمين والنبي وهم في ساحة المعركة يواجهون العدو . وذلك كان يجعل النبي ( ص ) يصلّي بالمسلمين في الحرب على أكثر من هيئة ، فتارة صلّى بهم مجتمعين ، وصلّى بهم متفرقين تارة أخرى ، فضلا عن اختلاف الهيئة للصلاة نفسها حين الاجتماع أو حين التفريق . والمعلوم في ذلك أن النبي ( ص ) صلى بالمسلمين صلاة الخوف مرات عديدة تبعا لطبيعة المعركة ووجهة العدو . وبذلك فإن الاستناد إلى آية رواية لاعتمادها والركون إليها يعتبر صحيحا لما يعززها من دليل صحيح .

أما صلاة المغرب من حيث هيئتها وكيفيتها فإن الذي عليه الجمهور وهو أن يصلي الإمام بالفرقة الأولى من المسلمين ركعتين وبالثانية ركعة واحدة . وقيل غير ذلك .

وثمة مسألة تتعلق بصلاة الخوف حال الالتحام مع العدو في حرب طاحنة ضروس يصعب معها على المسلمين أن ينتظموا جميعا في صف واحد أو صفين . وفي هذه خلاف ، فقد ذهب مالك والشافعي وعامة أهل العلم إلى أن لكل مسلم- والحالة هذه- أن يصلي مثلما يستطيع ، سواء كان راكبا أو قائما أو قاعدا ، وهيئته في ذلك أن يوميء إيماء ، وسواء عليه كذلك أن يصلي مستقبل القبلة أو مستدبرها أو غير ذلك .

وإذا كان الخوف أشد من ذلك والمسلمون في ضراب شديد متلاحم لا مجال عنده للانثناء عن القتال ولو فترة تقام فيها الصلاة حتى ولا الإيماء إيماء ، إذا كان الخوف كذلك جاز للمسلمين أن يؤخروا الصلاة ريثما تهدأ المعركة وينطفي لهيبها ثم تؤدى الصلاة في أمن وطمأنينة{[825]} .

ومن أعظم ما نقف عليه هنا ونحن نتلو هذه الآية ، هذا الاعتبار العظيم للصلاة الذي لا يداننيه اعتبار وهذا التشديد البالغ على الالتزام بفريضة الصلاة لكي تؤدى في وقتها مهما تكن الظروف إلا أن يشتد التلاحم اشتدادا يستحيل معه الاصطياف للصلاة في جماعة أو حتى مجرد الصلاة انفرادا . وذلك تأكيد عظيم على أهمية الصلاة وخطورتها باعتبارها العماد الأساسي الذي ينبني عليه الدين كله .

ونقف كذلك على حقيقة أخرى تكشف عن طبيعة اليسر في هذا الدين . وهو دين يلائم الفطرة الإنسانية ، أفضل وأمثل ما تكون عليه الملاءمة من هوادة ومراعاة . وفي هذا من التيسير ودفع الحرج ما يكتب للإسلام دوام الصلوح والبقاء وما يجعله مناسبا لحياة الإنسان في مختلف جوانبه ومركّباته البدنية والنفسية والروحية .

على أن المخاطب في الآية هو النبي ( ص ) أولا ، ثم الولاة والأمراء من بعده إلى يوم القيامة وذلك الذي ذهب إليه أهل العلم جميعا إلا ما كان من شذوذ لا يعوّل عليه .

وقوله : ( وليأخذوا أسلحتهم ) المقصود بواو الجماعة موضع خلاف على ثلاثة أقوال :

الأول : هي الطائفة التي تواجه العدوّ وتحرس المسلمين .

الثاني : هي الطائفة نفسها التي تصلي مع الإمام ، فهي المطالبة بأخذ السلاح حال الصلاة وفي ذلك ترعيب للأعداء وتخويف .

الثالث : أن المقصود هم المحاربون جميعا سواء منهم المصلي أو القائم . فهم مقصودون بهذا النداء الرباني لكي يحملوا أسلحتهم وذلك أشد ترعيبا للعدو وتخويفا .

ذلك ما قيل عن المقصود بالواو في قوله : ( وليأخذوا ) لكن الذي يترجّح لديّ هو القول الأول استنادا إلى أن حمل المصلّي للسلاح لا ينطوي على كبيرة فائدة مادام ساكنا خاشعا لا يحارب . فإنه ليس من شأن المصلي غير التفرغ الكامل لأعمال الصلاة وأدائها في وعي وطمأنينة . وأي انفتال عنها يبطلها . وكذلك فإن سياق الكلام الذي يعرض لهذه المسألة يعزّز أن يكون القول الأول هو الصحيح . يتبين ذلك في جلاء من قوله تعالى : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) . ثم يأتي التأكيد لهذا المقصود في قوله تعالى : ( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) .

قوله : ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) يتمنى الأعداء غفلة المؤمنين عن أسلحتهم وأمتعتهم التي يقوون بها على المرابطة والجلاد لينقضّوا عليهم في هجمة حاسمة قاصمة ، تتبدد فيها شوكتهم وتذهب معها ريحهم . وذلك شأن المشركين الذين يشاقّون الله ورسوله ويودّون أن تحيق الهزيمة القاضية بالإسلام وأهله وأن يروا الدين وقد تحول إلى أثر بعد عين أو أنه استحال إلى ذكريات وخواطر تتضمنها الكتب والقراطيس . ولا جرم أن تذكرنا هذه الآية بما حل بالمسلمين من هزائم ونكسات ذاقوا بعدها البلاء والشدّة نتيجة للثقة الزائفة بقدرتهم الموهومة أو بقياداتهم الكاذبة المخادعة ، وكذلك نتيجة لركونهم للإهمال واللامبالاة حتى إذا كانوا في غمرة عارمة من اللهو والغفلة مال عليهم العدو ميلة واحدة فأنزل فيهم ضربة باترة موجعة تدمّر عليهم قواهم ومنجزاتهم ثم تجتاحهم اجتياحا لتغزوهم في عقر ديارهم وهم داخرون مقهورون .

قوله : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) .

أكثر أهل العلم على أن حمل المصلّي للسلاح في ساحة الجهاد مندوب . فإذا قام المؤمن للصلاة أخذ سلاحه وذلك أفضل من الوجهة الدينية وقد حمل العلماء قوله تعالى : ( وليأخذوا أسلحتهم ) على الندب والاستحباب . وذهب أهل الظاهر والشافعي وغيرهم إلى وجوب حمل السلاح للمسلم حال الصلاة وذلك لظاهر الأمر في قوله تعالى : ( وليأخذوا ) على أن يكون ذلك حين الخوف فإن وجوب أخذ السلاح في ظاهر الآية مشروط بحصول الخوف من العدوّ فعلا . والراجح ما قاله أكثر أهل العلم وفيهم أبو حنيفة وهو أن أخذ السلاح للمصلي مندوب لحمل الأمر في الآية على الندب ؛ ولأن في دوام الحمل مشقة كبيرة وتعريضا للسلاح للتلف .

وفي قوله سبحانه : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر . . . ) نفي للبأس أو الحرج فيما وضعوا السلاح خشية التأذي من المطر أو كانوا مرضى فيشق عليهم حمله حين الصلاة على أن يكونوا على حذر دائم لا ينقطع ؛ كيلا يفجأهم العدو على غرّة . والآية تعاود التأكيد في تحضيض بالغ لكي يحذر المسلمون عدّوهم حذرا يمكنهم من دوام الحيطة والمراقبة وذلك في قوله تعالى : ( وخذوا حذركم ) .

ويأتي اختتام الآية في وعيد من الله لهؤلاء الخصوم الكفرة الذين قد أعد الله لهم سوء العذاب تكوى به جسومهم وهم يصارعون المرارة والهوان ، بعد أن يذيقهم بأس التقهقر وذلك الهزيمة في هذه الدنيا على أيدي المسلمين الصادقين المخلصين{[826]} .


[825]:- المغني جـ 2 ص 412 والبدائع جـ 1 ص 244 والمهذب جـ 1 ص 107 والمدونة جـ 1 ص 150 وأسهل المدارك جـ 1 ص 319.
[826]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 370-373- وتفسير الطبري جـ 5 ص 160-166.