في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (136)

135

( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزل على رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . . فقد ضل ضلالا بعيدًا ) . .

إنه النداء الثاني للذين آمنوا . بصفتهم هذه التي تفردهم من الجاهلية حولهم . وتحدد وظيفتهم وتكاليفهم . وتصلهم بالمصدر الذي يستمدون منه القوة والعون على هذه التكاليف !

( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزل على رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل ) . .

فهو بيان لعناصر الإيمان التي يجب أن يؤمن بها الذين آمنوا . بيان للتصور الإسلامي الاعتقادي :

فهو إيمان بالله ورسوله . يصل قلوب المؤمنين بربهم الذي خلقهم ، وأرسل إليهم من يهديهم إليه ، وهو الرسول [ ص ] وإيمان برسالة الرسول وتصديقه في كل ما ينقله لهم عن ربهم الذي أرسله .

وهو إيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله . يربطهم بالمنهج الذي اختاره الله لحياتهم وبينه لهم في هذا الكتاب ؛ والأخذ بكل ما فيه ، بما أن مصدره واحد ، وطريقه واحد ؛ وليس بعضه بأحق من بعضه بالتلقي والقبول والطاعة والتنفيذ .

وهو إيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل . بما أن مصدر الكتب كلها واحد هو الله ؛ وأساسها كذلك واحد هو إسلام الوجه لله ؛ وإفراد الله سبحانه بالألوهية - بكل خصائصها - والإقرار بأن منهج الله وحده هو الذي تجب طاعته وتنفيذه في الحياة . . وهذه الوحدة هي المقتضى الطبيعي البديهي لكون هذه الكتب - قبل تحريفها - صادرة كلها عن الله . ومنهج الله واحد ، وإرادته بالبشر واحدة ، وسبيله واحد ، تتفرق السبل من حولها وهي مستقيمة إليه واصلة .

والإيمان بالكتاب كله - بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة - هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة . لأن تصورها لربها الواحد ، ومنهجه الواحد ، وطريقه الواحد ، هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الألوهية . ويستقيم مع وحدة البشرية . ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد . . والذي ليس وراءه إلا الضلال ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ) .

وبعد الأمر بالإيمان ، يجيء التهديد على الكفر بعناصر الإيمان ، مع التفصيل فيها في موضع البيان قبل العقاب :

( ومن يكفر بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، فقد ضل ضلالا بعيدًا ) . .

وقد ذكر في الأمر الأول الإيمان بالله وكتبه ورسله . ولم يذكر الملائكة . وكتب الله تتضمن ذكر الملائكة وذكر اليوم الآخر ، ومن مقتضى الإيمان بهذه الكتب الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر . ولكنه يبرزها هنا ، لأنه موطن الوعيد والتهديد ، الذي يبين فيه كل عنصر على التحديد .

والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال ، الذي لا يرجى معه هدى ؛ ولا يرتقب بعده مآب !

والذي يكفر بالله الذي تؤمن به الفطرة في أعماقها كحركة ذاتية منها واتجاه طبيعي فيها ، ويكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، استمدادا من كفره بالحقيقة الأولى . . الذي يكفر هذا الكفر تكون فطرته قد بلغت من الفساد والتعطل والخراب ، الحد الذي لا يرجى معه هدى ؛ ولا يرتقب بعده مآب !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (136)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) .

يأمر الله المؤمنين أن تعي قلوبهم وأذهانهم معاني العقيدة من حيث أركانها وفروعها وأجزاؤها ومقتضياتها وهم إن كانوا كذلك فلا جرم أنهم صائرون إلى الدرجات العلى من الإيمان . ولعل من يظن أن خطاب الله للمؤمنين وأمرهم فيه بالإيمان يتضمن شيئا من تكرار . وذلك ظن غير صحيح ، فليس في الخطاب من تكرار ولا هو تحصيل لحاصل ، ولكنه تأكيد للمؤمنين على الالتزام بقواعد الإيمان على أكمل وجه وترويض لهم على استلهام العقيدة استلهاما يلج بهم رياض الصالحين والأبرار .

وأركان العقيدة التي يوجب الخطاب أن تتركز في القلب والذهن هي : الإيمان بالله إلها خلقا منشئا من العدم ، إلها يدين له العباد بالخضوع والامتثال والطاعة . ثم الإيمان برسوله الأمين ( ص ) وهو صاحب المحجة البيضاء ومعلّم البشرية ما فيه صلاحها وسعادتها في المحيا وبعد الممات وهو عليه الصلاة والسلام قائد المؤمنين إلى الجنة حيث النعيم المقيم . ثم الملائكة وهم عباد مكرمون أطهار ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) ثم الكتب المقدسة المنزلة من السماء التي يحوي كل منها بين دفّتين هدى وبشرى وفيه من العناية بالإنسان ما يسلك به سواء السبيل وما يلج به حومة الفوز والنجاة .

وكذلك اليوم الآخر وهو يوم عصيب مزلزل حقا . إنه يوم تتزلزل فيه الحياة والأحياء جميعا ويرتج فيه الكون والكائنات كافة لهول الموقف العسير المدمر الذي تقف فيه الخلائق ذاهلة واجمة حائرة تنتظر الحساب وتنتظر من الله فصل الخطاب . ذلكم هو يوم القيامة .

وقوله : ( والكتاب الذي نزل على رسوله ) المقصود به القرآن ، فقد نزله الله منجما مفرقا . وقوله : ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) يقصد بالكتاب مجموعة الكتب السماوية التي نزلت على المرسلين قبل نبي الإسلام عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين . وقوله : ( أنزل ) معناه نزل دفعة واحدة من غير تنجيم خلافا للقرآن فقد نزل بحسب الحاجة والوقائع طيلة فترة البعثة الطاهرة ، فكان ذلك أرسخ للدين في العقول والقلوب ، وأمكن له في النفس وفي واقع البشر . وتلك حقيقة لا مراء فيها ، حقيقة ينطق بها التاريخ والضمير وما قدّمته أمة الإسلام للبشرية من عطاء هائل في كل ميادين الحياة .

وقوله : ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) هذه أركان العقيدة التي لا يصح إيمان امرئ إلا إذا استيقنتها نفسه . هي أركان تقوم من الدين مقام الركائز والأساسيات التي ينهض عليها بنيان الدين كلّه مع الاعتبار بأن ثمة ركنا سادسا هاما لا مفر للعبد من استيقانه ألا وهو القضاء والقدر .

إن هذه الركائز والأساسيات تأتي متتامة متكاملة ولا بد من الإيمان بها جميعها ؛ لأنها بمجموعها وحدة متماسكة واحدة من العقيدة الثابتة المكينة التي لا تقبل التجزئة والتنجيم . ولا يعني أحدا إيمانه إذا ما آمن ببعض هذه الأركان وكفر ببعض ، كأن يؤمن بالله وحده من غير إيمان ببقية الأركان ، أو أن يؤمن بمعظم هذه الأركان ثم يكذّب بأحدها مثل يوم القيامة أو القضاء والقدر ، فلا جرم أن يكون ذلك كفرا بواحا يدمغ صاحبه بوصمة الجحود ليهوي به في جهنم . وذلك الذي قال عنه سبحانه : ( فقد ضل ضلالا بعيدا ) أي بعد عن صراط الله المستقيم وكان مع التائهين الذاهلين الذين ضلّوا الطريق وأوغلوا في الضلالة والعمه والبعد .