في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (158)

154

ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى ، للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب . . وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد . وهو يتكرر هنا ، والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة الله : فقد جاء في أول السورة : ( وقالوا : لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظرون ) . . وجاء هنا في آخرها :

( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ، أو يأتي بعض آيات ربك ؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً : قل : انتظروا إنا منتظرون ) . .

إنه التهديد الواضح الحاسم . فقد مضت سنة الله بأن يكون عذاب الاستئصال حتماً إذا جاءت الخارقة ثم لم يؤمن بها المكذبون . . والله سبحانه يقول لهم : إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده . . وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل . . لنفس لم تؤمن من قبل ، ولم تكسب عملاً صالحاً في إيمانها . فالعمل الصالح هو دائماً قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام .

ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى : ( يوم يأتي بعض آيات ربك ) هو أشراط الساعة وعلاماتها ، التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل . وعدوا من ذلك أشراطاً بعينها . . ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة أولى . فقد سبق مثله في أول السورة ، وهو قوله تعالى : ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) . . والملاحظ أن السياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشريعة والحاكمية ، ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة ، وأن هذا ملحوظ ومقصود ، لتقرير حقيقة بعينها . فأولى أن نحمل هذا الذي في آخر السورة على ما جاء من مثله في أولها من تقرير سنة الله الجارية . وهو كاف في التأويل ، بدون الالتجاء إلى الإحالة على ذلك الغيب المجهول . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (158)

قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ءايت ربك يوم يأتي بعض ءايت ربك لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون } ماذا ينتظر المشركون الظالمون ، المعرضون عن منهج الله ، والذين يحادون الله ورسوله والمسلمين ويدرأون الناس عن الحق بصدهم عن سبيل الله ؟ ! ماذا ينتظر هؤلاء الضالون المضلون ، بعد أن تبين لهم الحق وعرفوا أن سبيلهم هي الباطل وأنهم سادرون في ظلام الضلالة والفساد والشر ؟ ! ماذا ينتظرون بعد الذي بينه الله لهم في قرآنه المجيد وبعد ما استبانت لهم تعاليم الإسلام العظيم وما فيه من العدل والفضل والهداية والرحمة ؟ ! ماذا ينتظر هؤلاء الأفاكون الطغاة ؟ ! هل ينتظرون { إلا أن تأتيهم الملئكة } يعني هل ينتظرون بعد ذلك كله غير الملائكة لتأتيهم فتنتزع أرواحهم انتزاعا مفظعا غليظا ؟ ! { أو يأتي ربك } أي يأتي آيات ربك ، وهي علامات الساعة والهلاك الشامل .

قوله : { أو يأت بعض ءايت ربك } وذلك أن تظهر على العالمين بعض أشراط الساعة . وإذا ذاك تحل بالوجود والكائنات رجة كونية عصبية تتزلزل منها القلوب والأبدان وتأخذ موجة من الذعر والوجوم ليسيروا هائمين حيارى في أجواء شداد كوالح من الحيرة المذهلة والترقب المفزع . وحينئذ يستيقن المجرمون والطغاة والجبابرة وكل جموع الكفر والعصيان أنهم أحيط بهم وأنهم صائرون لا محالة إلى النار وبئس القرار . حتى رأوا ما يوعدون آمنوا وصدقوا فلا ينفعهم حينئذ إيمانهم وتصديقهم . وأشراط الساعة معلومة تكشف عن حقيقتها الأخبار الصحيحة التي تستنبه أذهان الغافلين المضللين ، وتستثير نفوس الفاسقين الشاردين من أولي الأهواء والشهوات . ومن جملة ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رآها الناس آمن من عليها " وفي لفظ " فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " ثم قرأ هذه الآية .

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث إذا خرجن { لا ينفع إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض " .

وروى مسلم وأهل السنن الأربعة بإسنادهم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم ، وخروج الدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا " وذلك تأويل قوله : { يوم يأتي بعض ءايت ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } أي لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم تقدم إيمانها قبل حصول أشراط الساعة . وكذلك لو كانت مقدمة إيمانها غير كاسبة به خيرا فلا ينفعها . وهذا دليل لمن لم يعتبر الإيمان المجرد عن العمل . قال صاحب الكشاف في تأويل قوله : { أو كسبت في إيمنها خيرا } عطف على قوله : { ءامنت } والمعنى : أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي ملجأة{[1327]} مضطرة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات . أو مقدمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيرا . فلم يفرق بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان ، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكتسب خيرا .

وقال الرازي : والمعنى أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان نفسا ما آمنت قبل ذلك ، وما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك .

قوله : { قل انتظروا إنا منتظرون } وعيد وتهديد للكافرين الشاردين عن منهج الله وهو الحق . إذ يقول لهم الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : انتظروا أن تأتيكم الملائكة بالموت فتنتزع أرواحكم أو تأتيكم أشراط القيامة بما تحمله لكم من الدواهي والأهوال .

وعندئذ تتبينوا بمن المحقمنا من المبطل ، أو من الناجي من الهالك ، أو الصادق من الكاذب ، أو من الذي يحيق به العذاب الأكبر . ستعلمون أننا نحن المحقون والفائزون . وأننا على الصواب والسداد والرشاد ، وأنكم في الأذلين مع الخاسرين{[1328]} .


[1327]:- ملجأة: اسم مفعول، من التلجئة وهي الإكراه، ألجأه إلى كذا اضطره إليه. انظر مختار الصحاح ص 592.
[1328]:- الكشاف ج 2 ص 63 وتفسير الرازي ج 14 ص 8 وتفسير البيضاوي ص 197.