( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (
والهتاف الأخير للذين آمنوا - في هذا المقطع من السورة - هو الهتاف بالتقوى . فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال ، إلا وهي على بينة من أمرها ونور يكشف الشبهات ويزيل الوساوس ويثبت الأقدام على الطريق الشائك الطويل . وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله :
( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم . والله ذو الفضل العظيم ) .
هذا هو الزاد ، وهذه هي عدة الطريق . . زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي . وعدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر ؛ فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة . ثم هو زاد المغفرة للخطايا . الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار . . وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد وتقصر الأعمال .
إنها حقيقة : أن تقوى الله تجعل في القلب فرقانا يكشف له منعرجات الطريق . ولكن هذه الحقيقة - ككل حقائق العقيدة - لا يعرفها إلا من ذاقها فعلا ! إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها ! .
إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل ؛ والطرق تظل متشابكة في النظر والفكر ؛ والباطل يظل متلبسا بالحق عند مفارق الطريق ! وتظل الحجة تُفحم ولكن لا تُقنع . وتسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل . ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا . . ذلك ما لم تكن هي التقوى . . فإذا كانت استنار العقل ، ووضح الحق ، وتكشف الطريق ، واطمأن القلب ، واستراح الضمير ، واستقرت القدم وثبتت على الطريق !
إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة . . إن هناك اصطلاحا من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه ؛ والذي خلقت به السماوات والأرض . . ولكنه الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة . . الهوى هو الذي ينشر الغبش ، ويحجب الرؤية ، ويُعمي المسالك ، ويخفي الدروب . . والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى . . تدفعه مخافة الله ، ومراقبته في السر والعلن . . ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة ، ويرفع اللبس ، ويكشف الطريق .
وهو أمر لا يقدر بثمن . . ولكن فضل الله العظيم يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب . ثم يضيف إليهما ( الفضل العظيم ) . .
ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الرب( الكريم )ذو الفضل العظيم !
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } .
يخاطب الله عباده المؤمنين الذين صدقوا الله ورسوله ، مبينا لهم أنهم إن اتقوا الله بطاعته ، وأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة الأمانات ؛ فإنه سبحانه يجعل لهم { فرقانا } أي مخرجا من كل سوء ومكروه . أو مما يحيق بهم من الرزايا والنوائب والمصائب ، كقوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا 2 يزقه من حيث لا يحتسب ؛ وقيل : المراد بالفرقان ، النجاة . وقيل : الفصل بين الحق والباطل .
قوله : { ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } أي أن الله يمحو عنكم ما سلف من الذنوب والمعاصي فيغطيها ويسترها عليكم سترا فلا يحاسبكم بها ، وهو سبحانه المتفضل على عباده بمننه الكثيرة عليهم . قوله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوا أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } .
روي في سبب نزول هذه الآية أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يأمر به قومك ؟ قال : ( يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني ) فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال : ( ربي ) قال : نعم الرب ربك ، فاستوص به خيرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أستوصي به ؟ ! بل هو يستوصي بي خيرا ) فنزلت : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } الآية .
وعن ابن عباس أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل . فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح . قالوا : أجل ادخل . فدخل معهم ، فقال : انظر في شأن هذا الرجل ، والله ليوشكن ان يؤاتيكم في أموالكم بأمره . فقال قائل : احسبوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قلبه من الشعراء زهير والنابغة . إنما هو كأحدهم ، فصرخ عدو الله الشيخ النجدي . فقال : والله ما هذا لكم رأي . والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم . قالوا : فانظروا في غير هذا . فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه ؛ فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه ، واسترحتم وكان أمره في غيركم . فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي . ألم تروا حلاوة قوله ، وطلاقة لسانه ، وأحذ القلوب ما تسمع من حديثه . والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجمعن عليكم ، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم . قالوا : صدق والله . فانظروا رأيا غير هذا . فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ، ما أرى غيره . قالوا : وما هو ؟ قال ؟ نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا{[1652]} ثم يعطي كل غلام منهم سيفا صارما ثم يضربوه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها . فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه . فقال الشيخ النجدي : هذا والله الرأي . القول ما قال الفتى ، لا أرى غيره ، فترقوا على ذلك وهم مجمعون له . قال : فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك بالخروج وأنزل عليه بعد قدومه المدينة ، الأنفال { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } {[1653]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.