في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} (29)

27

( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (

والهتاف الأخير للذين آمنوا - في هذا المقطع من السورة - هو الهتاف بالتقوى . فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال ، إلا وهي على بينة من أمرها ونور يكشف الشبهات ويزيل الوساوس ويثبت الأقدام على الطريق الشائك الطويل . وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله :

( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم . والله ذو الفضل العظيم ) .

هذا هو الزاد ، وهذه هي عدة الطريق . . زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي . وعدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر ؛ فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة . ثم هو زاد المغفرة للخطايا . الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار . . وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد وتقصر الأعمال .

إنها حقيقة : أن تقوى الله تجعل في القلب فرقانا يكشف له منعرجات الطريق . ولكن هذه الحقيقة - ككل حقائق العقيدة - لا يعرفها إلا من ذاقها فعلا ! إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها ! .

إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل ؛ والطرق تظل متشابكة في النظر والفكر ؛ والباطل يظل متلبسا بالحق عند مفارق الطريق ! وتظل الحجة تُفحم ولكن لا تُقنع . وتسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل . ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا . . ذلك ما لم تكن هي التقوى . . فإذا كانت استنار العقل ، ووضح الحق ، وتكشف الطريق ، واطمأن القلب ، واستراح الضمير ، واستقرت القدم وثبتت على الطريق !

إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة . . إن هناك اصطلاحا من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه ؛ والذي خلقت به السماوات والأرض . . ولكنه الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة . . الهوى هو الذي ينشر الغبش ، ويحجب الرؤية ، ويُعمي المسالك ، ويخفي الدروب . . والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى . . تدفعه مخافة الله ، ومراقبته في السر والعلن . . ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة ، ويرفع اللبس ، ويكشف الطريق .

وهو أمر لا يقدر بثمن . . ولكن فضل الله العظيم يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب . ثم يضيف إليهما ( الفضل العظيم ) . .

ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الرب( الكريم )ذو الفضل العظيم !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} (29)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } .

يخاطب الله عباده المؤمنين الذين صدقوا الله ورسوله ، مبينا لهم أنهم إن اتقوا الله بطاعته ، وأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة الأمانات ؛ فإنه سبحانه يجعل لهم { فرقانا } أي مخرجا من كل سوء ومكروه . أو مما يحيق بهم من الرزايا والنوائب والمصائب ، كقوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا 2 يزقه من حيث لا يحتسب ؛ وقيل : المراد بالفرقان ، النجاة . وقيل : الفصل بين الحق والباطل .

قوله : { ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } أي أن الله يمحو عنكم ما سلف من الذنوب والمعاصي فيغطيها ويسترها عليكم سترا فلا يحاسبكم بها ، وهو سبحانه المتفضل على عباده بمننه الكثيرة عليهم . قوله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوا أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } .

روي في سبب نزول هذه الآية أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يأمر به قومك ؟ قال : ( يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني ) فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال : ( ربي ) قال : نعم الرب ربك ، فاستوص به خيرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أستوصي به ؟ ! بل هو يستوصي بي خيرا ) فنزلت : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } الآية .

وعن ابن عباس أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل . فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح . قالوا : أجل ادخل . فدخل معهم ، فقال : انظر في شأن هذا الرجل ، والله ليوشكن ان يؤاتيكم في أموالكم بأمره . فقال قائل : احسبوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قلبه من الشعراء زهير والنابغة . إنما هو كأحدهم ، فصرخ عدو الله الشيخ النجدي . فقال : والله ما هذا لكم رأي . والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم . قالوا : فانظروا في غير هذا . فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه ؛ فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه ، واسترحتم وكان أمره في غيركم . فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي . ألم تروا حلاوة قوله ، وطلاقة لسانه ، وأحذ القلوب ما تسمع من حديثه . والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجمعن عليكم ، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم . قالوا : صدق والله . فانظروا رأيا غير هذا . فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ، ما أرى غيره . قالوا : وما هو ؟ قال ؟ نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا{[1652]} ثم يعطي كل غلام منهم سيفا صارما ثم يضربوه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها . فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه . فقال الشيخ النجدي : هذا والله الرأي . القول ما قال الفتى ، لا أرى غيره ، فترقوا على ذلك وهم مجمعون له . قال : فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك بالخروج وأنزل عليه بعد قدومه المدينة ، الأنفال { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } {[1653]} .


[1652]:النهد: الشاب القوي الضخم. نهد فلان لعدوه نهدا؛ أي صمد له وشرع في قتاله. وناهد عدوه؛ أي ناهضه في الحرب. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 957.
[1653]:تفسير الطبري جـ 9ص 149.