في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا} (26)

22

ثم يمضي السياق بعد الوالدين إلى ذوي القربى أجمعين ؛ ويصل بهم المساكين وابن السبيل ، متوسعا في القرابات حتى تشمل الروابط الإنسانية بمعناها الكبير :

( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ، وكان الشيطان لربه كفورا ؛ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ، فقل لهم قولا ميسورا ) .

والقرآن يجعل لذي القربى والمسكين وابن السبيل حقا في الأعناق يوفى بالإنفاق . فليس هو تفضلا من أحد على أحد ؛ إنما هو الحق الذي فرضه الله ، ووصله بعبادته وتوحيده . الحق الذي يؤديه المكلف فيبريء ذمته ، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه ، وإن هو إلا مؤد ما عليه لله .

وينهى القرآن عن التبذير . والتبذير - كما يفسره ابن مسعود وابن عباس - الإنفاق في غير حق . وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ، ولو أنفق مدا في غير حق كان مبذرا .

فليست هي الكثرة والقلة في الإنفاق . إنما هو موضع الإنفاق .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا} (26)

قوله تعالى : { وآت ذا القربى حقه } ، يعني صلة الرحم ، وأراد به : قرابة الإنسان ، وعليه الأكثرون . عن علي بن الحسين : أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم . { والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً } أي : لا تنفق مالك في المعصية . وقال مجاهد : لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً ، ولو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً . وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال : إنفاق المال في غير حقه . قال شعبة : كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة ، فأتى على باب دار بني بجص وآجر ، فقال : هذا التبذير . وفي قول عبد الله : إنفاق المال من غير حقه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا} (26)

قوله تعالى : { وآت ذا القربى حقه والمساكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( 26 ) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ( 27 ) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ( 28 ) } بعد الأمر ببر الوالدين وطاعتهما عطف بذكر الإحسان إلى أولي القربى والمساكين وأبناء السبيل . والظاهر أن الخطاب لعامة المسلمين ليضطلعوا بما يناط بهم من واجب الإنفاق على من تجب لهم النفقة فقال : ( وآت ذا القربى حقه ) فتجب النفقة على المقتدر لمحارمه الأقارب إن كانوا محتاجين . فما تبرأ ذمة المكلف من واجب الإنفاق على المحاويج من أقاربه المحارم حتى يؤدي لهم النفقة . وفي ذلك من سدّ لخلتهم ومواساة لهم وتأليف لقلوبهم واستدرار مودتهم ما لا يخفى .

وكذلك المسكين . وقد تقدم الكلام في معناه سابقا . وجملة ذلك : أن المسكين من لا شيء له يكفي عياله . وقيل : الفقير القاعد في بيته لا يسأل الناس ، والمسكين الذي يسأل . وقيل : الفقير الذي له بعض ما يقيمه ، والمسكين أسوأ حالا من الفقير . وهو قول الجمهور من العلماء{[2672]} ؛ فإنه يدفع إليه ما يفي بقوته وقوت عياله .

وكذلك ابن السبيل ، وهو المسافر المنقطع به ، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به{[2673]} ، وهذا يستوجب أن يعطى من المال ما يعنته على سفره حتى يبلغ مقصده .

قوله : ( ولا تبذر تبذيرا ) التبذير معناه الإنفاق في غير الحق وهو الإسراف . وقيل : النفقة في معصية الله وفي غير الحق وفي الفساد . أما من أنفق في الشهوات ، هل هو مبذر ؟ فيجاب عن ذلك بأن من أنفق ماله في الشهوات زائدا على الحاجات وعرّضه بذلك للنفاذ فهو مبذر . وإذا لم يعرضه للنفاد فليس بمبذر . ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر يحجر عليه ، ولا يحجر عليه ببذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد .


[2672]:- تاج العروس جـ9 ص 237.
[2673]:- المعجم الوسيط جـ1 ص 415.