في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (116)

114

ويعلل النص هذا المصير البائس السيء ، بأن مغفرة الله - سبحانه - تتناول كل شيء . . إلا أن يشرك به . . فهذه لا مغفرة لمن مات عليها :

( إن الله لا يغفر أن يشرك به . ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء - ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) . .

والشرك بالله - كما أسلفنا في هذا الجزء عند تفسير مثل هذه الآية من قبل - يتحقق باتخاذ آلهة مع الله اتخاذا صريحا على طريقه الجاهلية العربية وغيرها من الجاهليات القديمة - كما يتحقق بعدم إفراد الله بخصائص الألوهية ؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص . كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ) ولم يكونوا عبدوهم مع الله . ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون الله . فحرموا عليهم وأحلوا لهم . فاتبعوهم في هذا . ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية ! فحق عليهم وصف الشرك . وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا ) . فيقيموا له وحده الشعائر ، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر .

ولا غفران لذنب الشرك - متى مات صاحبه عليه - بينما باب المغفرة مفتوح لكل ذنب سواه . . عندما يشاء الله . . والسبب في تعظيم جريمة الشرك ، وخروجها من دائرة المغفرة ، أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تماما ؛ وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبدا :

( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدًا ) . .

ولو بقي خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشده إلى الشعور بوحدانية ربه ؛ ولو قبل الموت بساعة . . فأما وقد غرغر - وهو على الشرك - فقد انتهى أمره وحق عليه القول :

( ونصله جهنم . وساءت مصيرا ! ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (116)

قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدا } أي : ذهب عن الطريق وحرم الخير كله ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إني شيخ منهك في الذنوب ، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته ، وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه ولياً ، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً ، وإني لنادم ، تائب ، مستغفر ، فما حالي ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (116)

ولما كان فاعل ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين بما ألقوه إليهم من الشبه ، فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت{[22735]} أبصارهم أشعة التوحيد ؛ حسن إيلاؤه قوله سبحانه وتعالى - معللاً تعظيماً لأهل الإسلام ، وحثاً على لزوم هديهم ، وذما لمن نابذهم وتوعداً له ، إشارة إلى أن من خرق إجماع{[22736]} المسلمين صار حكمه حكم المشركين ، فكيف بمن نابذ المرسلين{[22737]} : { إن الله } أي الأحد المطلق فلا كفوء له { لا يغفر أن يشرك به } أي وقوع الشرك به ، من أي شخص كان ، وبأي شيء كان ، لأن من قدح في الملك استحق البوار والهلك ، وسارق الدرع أحق الناس بذلك { ويغفر ما{[22738]} } أي كل شيء هو { دون ذلك } أي الأمر الذي لم يدع للشناعة موضعاً - كما هو شأن من ألقى السلم ودخل في ربقة العبودية ، ثم غلبته الشهوة فقصر{[22739]} في بعض أنواع الخدمة . ثم دل{[22740]} على نفوذ أمره بقوله : { لمن يشاء } .

ولما كان التقدير : فإن من أشرك به فقد افترى إثماً مبيناً{[22741]} ، عطف عليه قوله : { ومن يشرك } أي يوقع هذا الفعل القذر جداً في أي وقت كان من ماض أو حال أو استقبال مداوماً على تجديده { بالله } أي الملك الذي لا نزاع في تفرده بالعظمه لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد { فقد ضل } أي ذهب عن السنن الموصل { ضلالاً بعيداً * } لا تمكن سلامة مرتكبه ، وطوزى مقدمة الافتراء الذي هو تعمد الكذب ، وذكر مقدمة الضلال ، لأن معظم السياق للعرب أهل الأوثان والجهل فيهم فاش ، بخلاف ما مضى لأهل الكتاب فإن كفرهم عن علم فهو تعمد للكذب .


[22735]:في ظ: بهزت ـ كذا.
[22736]:في ظ: الإجماع.
[22737]:من ظ ومد، وفي الأصل: المشركين.
[22738]:تأخر في الأصل عن "شيء هو" والترتيب من ظ ومد.
[22739]:من مد، وفي الأصل وظ: فقصير.
[22740]:في ظ: أدل.
[22741]:من ظ ومد، وفي الأصل: عظيما.