( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين ) . .
كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير . . كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون ؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات ؛ ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات . فالحرج في طريقه كثير ، والمشقة في الإنذار به قائمة . . لا يدرك ذلك - كما قلنا في التعريف بالسورة - إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف ؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة ؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها ، وفي مظاهرها وفروعها ، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة [ ص ] ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها . .
وهذا الموقف ليس مقصوراً على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك ، وما كان في الأرض من حولها . . إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفة وراءه ! . . إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة . . وهو يواجهها كما واجهها أول مرة ، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة ! . . إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها - وهذه هي " الرجعية " البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه " الرجعية " مرة أخرى كذلك ؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة ؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأول [ ص ] وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية ؛ والغيبوبة في ظلامها الطاغي ! ظلام التصورات . وظلام الشهوات . وظلام الطغيان والذل . وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضاً ! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج ، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية ، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي [ ص ] :
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) . .
ويعلم - من طبيعة الواقع - من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى ، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار . ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة ، في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهاداً كبيراً . .
والبشرية اليوم في موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول الله [ ص ] بهذا الكتاب ، مأموراً من ربه أن ينذر به ويذكر ؛ وألا يكون في صدره حرج منه ، وهو يواجه الجاهلية ، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق . .
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين ، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر ، والسطوح والأعماق !
انتكست البشرية في تصوراتها الاعتقادية ابتداء - حتى الذين كان آباؤهم وأجدادهم من المؤمنين بهذا الدين ، المسلمين لله المخلصين له الدين - فإن صورة العقيدة قد مسخت في تصورهم ومفهومهم لها في الأعماق . .
لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم ، وليقيم عالماً آخر ، يقر فيه سلطان الله وحده ، ويبطل سلطان الطواغيت . عالماً يعبد فيه الله وحده - بمعني " العبادة " الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد . عالماً يخرج الله فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . عالماً يولد فيه " الإنسان " الحر الكريم النظيف . . المتحرر من شهوته وهواه ، تحرره من العبودية لغير الله .
جاء هذا الدين ليقيم قاعدة : " أشهد أن لا إله إلا الله " التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري - كما تقرر هذه السورة وغيرها من سور القرآن الكريم - وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلولإلا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر ، كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء . فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره ، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته . . وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن لله شريكاً في خلق الكون وتدبيره وتصريفه ؛ ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلاّ لله وحده . ولا يتلقى الشرائع والقوانين ، والقيم والموازين ، والعقائد والتصورات إلا من الله ، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله .
هذه هي قاعدة هذا الدين من ناحية الاعتقاد . . فأين منها البشرية كلها اليوم ؟
إن البشرية تنقسم شيعاً كلها جاهلية .
شيعة ملحدة تنكر وجود الله أصلا وهم الملحدون . . فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان !
وشيعة وثنية تعترف بوجود إله ، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأرباباً كثيرة . كما في الهند ، وفي أواسط إفريقية ، وفي أجزاء متفرقة من العالم .
وشيعة " أهل كتاب " من اليهود والنصارى . وهؤلاء أشركوا قديماً بنسبة الولد إلى الله . كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله - لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع . وإن كانوا لم يصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلاً ! . . ثم هم اليوم يقصون حاكمية الله بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها " الرأسمالية " و " الاشتراكية " . . وما إليها . ويقيمون لأنفسهم أوضاعاً للحكم يسمونها " الديمقراطية " و " الديكتاتورية " . . . وما إليها . ويخرجون بذلك عن قاعدة دين الله كله ، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم ، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم . وشيعة تسمي نفسها " مسلمة " ! وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه - حذوك النعل بالنعل ! - خارجة من دين الله إلى دين العباد . فدين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه . ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم !
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية ؛ وانتكست البشرية بجملتها إلى الجاهلية . . شيعها جميعاً لا تتبع دين الله أصلاً . . وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة ، يستهدف منها نفس ما استهدفه في المرة الأولى من إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور . ثم إدخالها في دين الله بعد ذلك من ناحية النظام والواقع . . وعاد حامل هذا الكتاب يواجه الحرج الذي كان يواجهه رسول الله [ ص ] وهو يواجه البشرية الغارقة في مستنقع الجاهلية ، المستنيمة للمستنقع الآسن ، الضالة في تيه الجاهلية ، المستسلمة لاستهواء الشيطان في التيه ! . . وهو يستهدف ابتداء إنشاء عقيدة وتصور في قلوب الناس وعقولهم تقوم على قاعدة : أشهد أن لا إله إلا الله . وإنشاء واقع في الأرض آخر يعبد فيه الله وحده ، ولا يعبد معه سواه . وتحقيق ميلاد للإنسان جديد ، يتحرر فيه الإنسان من عبادة العبيد ، ومن عبادة هواه !
إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه . . إنه اليوم مدعو لأداء دوره الذي أداه مرة ؛ في مثل الظروف والملابسات والأوضاع والأنظمة والتصورات والعقائد والقيم والموازين والتقاليد . . . التي واجهها أول مرة .
إن الجاهلية حالة ووضع ؛ وليست فترة تاريخية زمنية . . والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض ، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع . . إنها تقوم ابتداء على قاعدة : " حاكمية العباد للعباد " ، ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد . . تقوم على أساس أن يكون " هوى الإنسان " في أيةصورة من صوره هو الإله المتحكم ، ورفض أن تكون " شريعة الله " هي القانون المحكم . . ثم تختلف أشكالها ومظاهرها ، وراياتها وشاراتها ، وأسماؤها وأوصافها ، وشيعها ومذاهبها . . غير أنها كلها تعود إلى هذه القاعدة المميزة المحددة لطبيعتها وحقيقتها . .
وبهذا المقياس الأساسي يتضح أن وجه الأرض اليوم تغمره الجاهلية . وأن حياة البشرية اليوم تحكمها الجاهلية . وأن الإسلام اليوم متوقف عن " الوجود " مجرد الوجود ! وأن الدعاة إليه اليوم يستهدفون ما كان يستهدفه محمد رسول الله [ ص ] تماماً ؛ ويواجهون ما كان يواجهه [ ص ] تماماً ، وأنهم مدعوون إلى التأسي به في قول الله - سبحانه - له :
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) . .
ولتوكيد هذه الحقيقة وجلائها نستطرد إلى شيء قليل من التفصيل :
إن المجتمعات البشرية اليوم - بجملتها - مجتمعات جاهلية . وهي من ثم مجتمعات " متخلفة " أو " رجعية " ! بمعنى أنها " رجعت " إلى الجاهلية ، بعد أن أخذ الإسلام بيدها فاستنقذها منها . والإسلام اليوم مدعو لاستنقاذها من التخلف والرجعية الجاهلية ، وقيادتها في طريق التقدم و " الحضارة " بقيمها وموازينها الربانية .
إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع - متمثلة في سيادة شريعته الربانية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد . وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام أو للحضارة - كما هي في ميزان الله - لأن الحضارة التي يريدها الله للناس تقوم على قاعدة أساسية من الكرامة والتحرر لكل فرد . ولا كرامة ولا تحرر مع العبودية لعبد . . لا كرامة ولا تحرر في مجتمع بعضه أرباب يشرعون ويزاولون حق الحاكمية العليا ؛ وبعضهم عبيد يخضعون ويتبعون هؤلاء الأرباب ! والتشريع لا ينحصر في الأحكام القانونية . فالقيم والموازين والأخلاق والتقاليد . . كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه شاعرين أو غير شاعرين ! . . ومجتمع هذه صفته هو مجتمع رجعي متخلف . . أو بالاصطلاح الإسلامي : " مجتمع جاهلي مشرك " !
وحين تكون آصرة التجمع في مجتمع هي العقيدة والتصور والفكر ومنهج الحياة . ويكون هذا كله صادراً من الله ، لا من هوى فرد ، ولا من إرادة عبد . فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متحضراً متقدماً . أو بالاصطلاح الإسلامي : مجتمعاً ربانياً مسلماً . . لأن التجمع حينئذ يكون ممثلاً لأعلى ما في " الإنسان " من خصائص - خصائص الروح والفكر - فأما حين تكون آصرة التجمع هي الجنس واللون والقوم والأرض . . . وما إلى ذلك من الروابط . . فإنه يكون مجتمعاً رجعياً متخلفاً . . أو بالاصطلاح الإسلامي : مجتمعاً جاهلياً مشركاً . . ذلك أن الجنس واللون والقوم والأرض . . . . وما إلى ذلك من الروابط لا تمثل الحقيقة العليا في " الإنسان " . فالإنسان يبقى إنساناً بعد الجنس واللون والقوم والأرض . ولكنه لا يبقى إنساناً بعد الروح والفكر !
ثم هو يملك بإرادته الإنسانية الحرة - وهي أسمى ما أكرمه الله به - أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته من ضلال إلى هدى عن طريق الإدراك والفهم والاقتناع والاتجاه . ولكنه لا يملك أبداً أن يغير جنسه ، ولا لونه ، ولا قومه . لا يملك أن يحدد سلفاً مولده في جنس ولا لون ؛ كما لا يمكنه أن يحدد سلفا مولده في قوم أو أرض . . فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة هو بدون شك أرقى وأمثل وأقوم من المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمور خارجة عن إرادتهم ولا يد لهم فيها !
وحين تكون " إنسانية الإنسان " هي القيمة العليا في مجتمع ؛ وتكون " الخصائص الإنسانية " فيه موضعالتكريم والرعاية ، يكون هذا المجتمع متحضرا متقدماً . . أو بالاصطلاح الإسلامي : ربانياً مسلماً . . فأما حين تكون " المادة " - في أية صورة من صورها - هي القيمة العليا . . سواء في صورة " النظرية " كما في الماركسية ، أو في صورة " الإنتاج المادي " كما في أمريكا وأوربا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي هو القيمة العليا ، التي تهدر في سبيلها كل القيم والخصائص الإنسانية - وفي أولها القيم الأخلاقية - فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً رجعياً متخلفاً . . أو بالاصطلاح الإسلامي : مجتمعاً جاهلياً مشركاً . .
. . إن المجتمع الرباني المسلم لا يحتقر المادة ؛ لا في صورة " النظرية " باعتبار المادة هي التي تؤلف كيان هذا الكون الذي نعيش فيه ؛ ولا في صورة " الإنتاج المادي " والاستمتاع به . فالإنتاج المادي من مقومات خلافة الإنسان في الأرض بعهد الله وشرطه ؛ والاستمتاع بالطيبات منها حلال يدعو الإسلام إليه - كما سنرى في سياق هذه السورة - ولكنه لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص " الإنسان " ومقوماته ! كما تعتبرها المجتمعات الجاهلية . . الملحدة أو المشركة . .
وحين تكون القيم " الإنسانية " والأخلاق " الإنسانية " - كما هي في ميزان الله - هي السائدة في مجتمع ، فإن هذا المجتمع يكون متحضراً متقدماً . . أو بالاصطلاح الإسلامي . . ربانياً مسلماً . . والقيم " الإنسانية " والأخلاق " الإنسانية " ليست مسألة غامضة ولا مائعة ؛ وليست كذلك قيماً وأخلاقاً متغيرة لا تستقر على حال - كما يزعم الذين يريدون أن يشيعوا الفوضى في الموازين ، فلا يبقى هنالك أصل ثابت يرجع إليه في وزن ولا تقييم . . إنها القيم والأخلاق التي تنمي في الإنسان " خصائص الإنسان " التي ينفرد بها دون الحيوان . وتُغلب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويجعل منه إنساناً . وليست هي القيم والأخلاق التي تنمي فيه الجوانب المشتركة بينه وبين الحيوان . . وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت ، لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها " التطوريون " ! عندئذ لا تكون هناك أخلاق زراعية وأخرى صناعية . ولا أخلاق رأسمالية وأخرى اشتراكية . ولا أخلاق صعلوكية وأخرى برجوازية ! لا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومن مستوى المعيشة ، على اعتبار أن هذه العوامل مستقلة في صنع القيم والأخلاق والاصطلاح عليها ، وحتمية في نشأتها وتقريرها . . إنما تكون هناك فقط " قيم وأخلاق إنسانية " يصطلح عليها المسلمون في المجتمع المتحضر . " وقيم وأخلاق حيوانية " - إذا صح هذا التعبير - يصطلح عليها الناس في المجتمع المتخلف . . أو بالاصطلاح الإسلامي تكون هناك قيم وأخلاق ربانية إسلامية ؛ وقيم وأخلاق رجعية جاهلية !
إن المجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية ، لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة ، مهما تبلغ من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي ! إن هذا المقياس لا يخطىء في قياس مدى التقدم في الإنسان ذاته .
وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان . ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية ! إن المفهوم " الأخلاقي " ينحصر في المعاملات الشخصية والاقتصادية والسياسية - أحياناً في حدود مصلحة الدولة ! - والكتاب والصحفيون والروائيون وكل أجهزة التوجيه والإعلام في هذه المجتمعات الجاهلية تقولها صريحة للفتيات والزوجات والفتيان والشبان : إن الاتصالات الجنسية الحرة ليست رذائل أخلاقية !
مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلفة غير متحضرة - من وجهة النظر " الإنسانية " . وبمقياس خط التقدم الإنساني . . وهي كذلك غير إسلامية . . لأن خط الإسلام هو خط تحرير الإنسان من شهواته ، وتنميةخصائصه الإنسانية ، وتغلبها على نزعاته الحيوانية . .
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في وصف المجتمعات البشرية الحاضرة ، وإغراقها في الجاهلية . . من العقيدة إلى الخلق . ومن التصور إلى أوضاع الحياة . . ونحسب أن هذه الإشارات المجملة تكفي لتقرير ملامح الجاهلية في المجتمعات البشرية الحاضرة . ولتقرير حقيقة ما تستهدفه الدعوة الإسلامية اليوم وما يستهدفه الدعاة إلى دين الله . . إنها دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام : عقيدة وخلقاً ونظاماً . . إنها ذات المحاولة التي كان يتصدى لها رسول الله [ ص ] وإنها ذات النقطة التي بدأ منها دعوته أول مرة . وإنه ذات الموقف الذي وقفه بهذا الكتاب الذي أنزل إليه ؛ وربه - سبحانه - يخاطبه :
( كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) . .
قوله تعالى : { المص كتاب } ، أي : هذا كتاب .
قوله تعالى : { أنزل إليك } ، وهو القرآن .
قوله تعالى : { فلا يكن في صدرك حرج منه } ، قال مجاهد : شك ، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة . وقال أبو العالية : حرج أي ضيق ، معناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به .
قوله تعالى : { لتنذر به } ، أي : كتاب أنزل إليك لتنذر به .
قوله تعالى : وذكرى للمؤمنين } ، أي عظة لهم ، وهو رفع ، مردود على الكتاب .
لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل إليهم كتاباً مباركاً ، وأمر باتباعه وعلل إنزاله وذكر ما استتبعه ذلك مما لا بد منه في منهاج البلاغة 5وميدان البراعة{[31866]} ، وكان من جملته أن أمر المدعوين به ليس إلا إليه ، إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم واستمر فيما لا بد منه في تتميم ذلك إلى أن ختم السورة بما انعطف على ما افتتحت به ، فاشتد اعتناقه له حتى صارا كشيء{[31867]} واحد ؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم البر والثواب وما تقدمه{[31868]} ، فقال مخبراً عن مبتدإ تقديره : هو{[31869]} { كتاب } أي عظيم أوضح الطريق المستقيم فلم يدع بها لبساً ولم يذر خيراً إلا أمر به ولا شراً إلا نهى عنه ، فإنزاله من عظيم رحمته ؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من رحمته{[31870]} بقوله : { أنزل إليك } أي وأنت أكرم الناس نفساً وأوسعهم صدراً وأجملهم{[31871]} قلباً وأعرقهم إصالة وأعرفهم باستعطاف المباعد واستجلاب المنافر المباغض ، وهذا شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب لا حد لها فتستقصى{[31872]} .
ولما كان المقصود من البعثة أولاً النذارة للرد عما هم عليه من الضلال ، وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس ، وكان الإقدام عليها من الصعوبة بمكان عظيم ؛ قدم قوله مسبباً عن تخصيصه بهذه الرحمة : { فلا يكن } وعبر عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في الأمر فقال{[31873]} : { في صدرك حرج } أي شيء من ضيق{[31874]} بهم أو خوف أو{[31875]} نحو ذلك { منه } على ما تعلق ب " أنزل " من قوله{[31876]} : { لتنذر به }{[31877]} أي نذري{[31878]} لكل من بلغه أو للمخالفين من سرعة العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السابقة - كما أشار إليه آخر الأنعام ، و{[31879]}سيقص من أخبارهم{[31880]} من هذه السورة { و } لتنذر به { ذكرى } أي عظيمة { للمؤمنين* } أي بالبشر والمواعظ والغفران والرحمة على ما أشار إليه ختام الأنعام ، وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء ، ويجوز أن تتعلق لام " لتنذر " بمعنى النهي ، أي انف الحرج لكذا{[31881]} ، فإن من كان منشرح الصدر أقدم على ما يريد أو يحرج ، أي لا يكن الحرج الواقع{[31882]} لأجل أن تنذر ، أي لأجل إنذارك به ، والنهي للنبي صلى الله عليه وسلم ، حُوّل إلى الحرج مبالغة وأدباً ، ويجوز أن يكون التقدير : لتنذر به وتذكر به ، فإنه نذرى للكافرين وذكرى للمؤمنين ، والآية على كل تقدير من الاحتباك : إثباته " لتنذر " أولاً ، دال على حذف " لتذكر " ثانياً ، وإثبات المؤمنين ثانياً دال على حذف المخالفين أولاً ، فإن النفوس على قسمين : نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثة الرسل في حقهم إنذار وتخويف ، ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلاهية فبعثة الرسل في حقهم تذكير لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد{[31883]} فيعرض لها نوع ذهول وغفلة ، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت{[31884]} مركزها وأبصرت منشأها ، فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح والريحان فطارت نحوهم كل مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار ؛ وقال أبو حيان : واعتلاق هذه السورة بما قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله{[31885]} : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه }{[31886]} واستطرد منه لما بعده{[31887]} إلى قوله في آخر السورة{ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض }{[31888]} وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم ، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية ، ذكر ما يكون{[31889]} به التكاليف ، وهو الكتاب الإلهي ، وذكر الأمر باتباعه كما أمر في قوله{ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه }[ الأنعام : 155 ] - انتهى . وقال شيخه الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار{ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم{[31890]} في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين }{[31891]} ثم قال تعالى{[31892]}{ ولقد استهزىء برسل من قبلك{[31893]} فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون }{[31894]} ثم قال تعالى :{ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين }{[31895]} ثم قال تعالى{ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا }{[31896]} الآية وقال تعالى{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء }{[31897]} ، وقال تعالى{ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي }{[31898]} فوقعت الإحالة في هذه الآي{[31899]} على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له بمن تقدمه{[31900]} من الرسل{ قد نعلم إنه ليحزنك الذي{[31901]} يقولون } فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة{[31902]} والقرون الماضية ، والإعلام بصبر الرسل - عليهم السلام - عليهم وتلطفهم في دعائهم ، ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذاً وتركاً وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين{[31903]} : المستندة للسمع والمعتمدة للنظر ، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل ، وتنكب{[31904]} الآخرون بسوء التناول وقصور الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية ؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته عليه السلام وتثبيت فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة ، وقد كان قدّم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر الأنبياء أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده }{[31905]} بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه ، واستوفى الكثير{[31906]} من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه{ وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك }{[31907]} فتأمل بما افتتحت به السورة المقصودة بها قصص الأمم وبما اختتمت يَلُح{[31908]} لك ما أشرت إليه - والله أعلم بمراده ، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله{ فلنقصن عليهم{[31909]} بعلم وما كنا غائبين } وختم القصص فيها بقوله :{ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون }[ الأعراف : 176 ] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام{ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا }[ الأعراف :175 ] ، ثم قال :{ ذلك مثل القوم{[31910]} الذين كذبوا بآياتنا }[ الأعراف : 176 ] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص ، وكيف ألحق مَنْ كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم بمن قص ذكره{[31911]} من المكذبين ، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة{[31912]} بلعام وكلاهما{[31913]} ممن كفر على علم ، وفي ذلك أعظم موعظة ، قال الله تعالى إثر ذلك{ من يهد الله فهو المهتدي }[ الأعراف : 178 ] ، فبدأ الاستجابة بنبيه{[31914]} صلى الله عليه وسلم بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى : { المص كتاب أنزل إليك } [ الأعراف : 1-2 ] فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين ، وأشار هنا إلى ما يحمله عليه{[31915]} من{[31916]} التسلية وشرح الصدور{[31917]} بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونوراً ، فقال { فلا يكن في صدرك حرج منه } [ الأعراف : 2 ] أي أنه قد تضمن مما أحلناك عليه{[31918]} ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل ، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم ، وليتذكر المؤمنون ؛ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال :{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم }[ الأعراف : 3 ] فإن هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس ، ثم أتبع ذلك بقصة آدم عليه السلام ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط{[31919]} الشياطين وكيده وأنه عدو لهم{ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة }[ الأعراف : 27 ] ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل هناك كتصريح اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبه الإنظار{[31920]} والتسلط{[31921]} على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم أخذ في الوسوسة إلى آدم عليه السلام وحلفه له{ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين }[ الأعراف : 21 ] وكل هذا مما أجمل في سورة البقرة ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها ، أعني أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولاً ؛ ثم انجزت الآي إلى ابتداء{[31922]} قصة نوح عليه السلام واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل ، فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة{[31923]} إبليس ، وفصل هنا الكثير وذكر ما لم يذكر{[31924]} في البقرة حتى لم يتكرر{[31925]} بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط ، ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلتا{[31926]} القصتين مستقل شاف ، وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح كماله ، فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة .
ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح فقال تعالى{ فاعفوا واصفحوا }{[31927]} أعقب{[31928]} تعالى أيضاً هنا بقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام{ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }[ الأعراف : 199 ] وقد خرجنا عن{[31929]} المقصود فلنخرج إليه - انتهى .