( وإلى ثمود أخاهم صالحاً ، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . قد جاءتكم بينة من ربكم ، هذه ناقة الله لكم آية ، فذروها تأكل في أرض الله ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم . واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ، وبوأكم في الأرض ، تتخذون من سهولها قصوراً ، وتنحتون الجبال بيوتاً ، فاذكروا آلاء الله ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين . قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا - لمن آمن منهم - : أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ قالوا : إنا بما أرسل به مؤمنون ، قال الذين استكبروا : إنا بالذي آمنتم به كافرون . فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ، وقالوا : يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين . فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين . فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم ، ولكن لا تحبون الناصحين ) . .
وهذه صفحة أخرى من صحائف قصة البشرية ؛ وهي تمضي في خضم التاريخ . وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية ؛ ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل ، ومصرع جديد من مصارع المكذبين .
( وإلى ثمود أخاهم صالحاً . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) . .
ذات الكلمة الواحدة التي بها بدأ هذا الخلق وإليها يعود . وذات المنهج الواحد في الاعتقاد والاتجاه والمواجهة والتبليغ . .
ويزيد هنا تلك المعجزة التي صاحبت دعوة صالح ، حين طلبها قومه للتصديق :
( قد جاءتكم بينة من ربكم ، هذه ناقة الله لكم آية ) . .
والسياق هنا ، لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة ، ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب ، لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة ، بل يعلن وجودها عقب الدعوة . وكذلك لا يذكر تفصيلاً عن الناقة أكثر من أنها بينة من ربهم ، وأنها ناقة الله وفيها آية منه ، ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية ، أو أنها أخرجت لهم إخراجاً غير عادي . مما يجعلها بينة من ربهم ، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى ، ويجعلها آية على صدق نبوته . . ولا نزيد على هذا شيئاً مما لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن - وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر - فنمضي نحن مع النصوص ونعيش في ظلالها :
( فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) . .
إنها ناقة الله ، فذروها تأكل في أرض الله ، وإلا فهو النذير بسوء المصير . .
قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحاً } ، وهو ثمود بن عابر ، بن أرم بن سام ، بن نوح ، وأراد هاهنا القبيلة . قال أبو عمرو بن العلاء : سميت ثمود لقلة مائها . والثمد الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى { أخاهم صالحاً } ، أي : أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب ، لا في الدين صالحاً ، وهو صالح بن عبيد ، بن آسف ، بن ماسح ، ابن عبيد ، بن ثمود .
قوله تعالى : { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } ، حجة .
قوله تعالى : { من ربكم } على صدقي .
قوله تعالى : { هذه ناقة الله } ، أضافها إليه على التفضيل والتخصيص . كما يقال بيت الله .
قوله تعالى : { لكم آية } ، نصب على الحال .
قوله تعالى : { فذروها تأكل } ، العشب .
قوله تعالى : { في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، لا تصيبوها بعقر .
ولما أتم{[32562]} سبحانه ما أراد من قصة عاد ، أتبعهم ثمود فقال { وإلى ثمود } أي خاصة ، {[32563]}منع من{[32564]} الصرف لأن المراد به القبيلة ، وهو مشتق من الثمد وهو الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر{[32565]} بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، أرسلنا { أخاهم صالحاً } ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود عليه السلام فقال : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة { اعبدوا الله } أي الذي لا كمال إلا له { ما لكم } وأكد النفي بقوله : { من إله غيره } .
ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم ، ودعا هو صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة ، علل صحة ما دعا إليه بقوله : { قد جاءتكم بينة } أي آية ظاهرة جداً على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم به ، وزادهم رغبة بقوله : { من ربكم } أي الذي لم يزل محسناً إليكم ؛ ثم استأنف بيانها بقوله : { هذه } مشيراً إليها بعد تكوينها تحقيقاً لها{[32566]} وتعظيماً لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله .
ولما أشار إليها ، سماها فقال : { ناقة الله } شرفها بالإضافة إلى الاسم الأعظم ، ودل على تخصيصها بهم بقوله : { لكم } حال كونها { آية } أي{[32567]} لمن شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها{[32568]} ؛ ثم سبب عن ذلك قوله : { فذروها } أي اتركوها ولو على أدنى وجوه{[32569]} الترك { تأكل } أي من النبات و { في أرض الله } أي مما أنبت الله الذي له كل شيء و{[32570]}هي ناقته{[32571]} كما أن الأرض كلها مطلقاً أرضه والنبات رزقه ، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها{[32572]} بأرض دون أخرى .
ولما أمرهم بتركها لذلك ، أكد الأمر بنهيهم عن أذاها فقال : { ولا{[32573]} تمسوها بسوء } فضلاً عما بعد المس { فيأخذكم } أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه { عذاب أليم* } أي مؤلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.