( إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم . ذلك الدين القيم ) . .
إن هذا النص القرآني يرد معيار الزمن ، وتحديد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره اللّه عليها . وإلى أصل الخلقة . خلقة السماوات والأرض . ويشير إلى أن هناك دورة زمنية ثابتة ، مقسمة إلى اثني عشر شهراً . يستدل على ثباتها بثبات عدة الأشهر ؛ فلا تزيد في دورة وتنقص في دورة . وأن ذلك في كتاب اللّه - أي في ناموسه الذي أقام عليه نظام هذا الكون . فهي ثابتة على نظامها ، لا تتخلف ولا تتعرض للنقص والزيادة . لأنها تتم
وفق قانون ثابت ، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده اللّه يوم خلق السماوات والأرض :
هذه الإشارة إلى ثبات الناموس يقدم بها السياق لتحريم الأشهر الحرم وتحديدها ، ليقول : إن هذا التحديد والتحريم جزء من نواميس اللّه ثابت كثباتها ، لا يجوز تحريفه بالهوى ، ولا يجوز تحريكه تقديماً وتأخيراً ، لأنه يشبه دورة الزمن التي تتم بتقدير ثابت ، وفق ناموس لا يتخلف :
فهذا الدين مطابق للناموس الأصيل ، الذي تقوم به السماوات والأرض ، منذ أن خلق اللّه السماوات والأرض .
وهكذا يتضمن ذلك النص القصير سلسلة طويلة من المدلولات العجيبة . . يتبع بعضها بعضاً ، ويمهد بعضها لبعض ، ويقوي بعضها بعضاً . ويشتمل على حقائق كونية يحاول العلم الحديث جاهداً أن يصل إليها بطريقته ومحاولاته وتجاربه . ويربط بين نواميس الفطرة في خلق الكون وأصول هذا الدين وفرائضه ، ليقر في الضمائر والأفكار عمق جذوره ، وثبات أسسه ، وقدم أصوله . . كل أولئك في إحدى وعشرين كلمة تبدو في ظاهرها عادية بسيطة قريبة مألوفة .
( ذلك الدين القيم . فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) . .
لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم التي يتصل تحريمها بناموس كوني تقوم عليه السماوات والأرض . ذلك الناموس هو أن اللّه هو المشرع للناس كما أنه هو المشرع للكون . . لا تظلموا أنفسكم بإحلال حرمتها التي أرادها اللّه لتكون فترة أمان وواحة سلام ؛ فتخالفوا عن إرادة اللّه . وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب اللّه في الآخرة ، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض ، حين تستحيل كلها جحيماً حربية ، لا هدنة فيها ولا سلام .
( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) . .
ذلك في غير الأشهر الحرم ، ما لم يبدأ المشركون بالقتال فيتعين رد الاعتداء في تلك الأشهر ، لأن الكف عن القتال من جانب واحد يضعف القوة الخيرة ، المنوط بها حفظ الحرمات ، ووقف القوة الشريرة المعتدية ؛ ويشيع الفساد في الأرض ؛ والفوضى في النواميس . فرد الاعتداء في هذه الحالة وسيلة لحفظ الأشهر الحرم ، فلا يعتدى عليها ولا تهان .
( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) . .
قاتلوهم جميعاً بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة ، فهم يقاتلونكم جميعاً لا يستثنون منكم أحداً ، ولا يبقون منكم على جماعة . والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد . وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال . معركة بين معسكرين متميزين لا يمكن أن يقوم بينهما سلام دائم ، ولا أن يتم بينهما اتفاق كامل . لأن الخلاف بينهما ليس عرضياً ولا جزئياً . ليس خلافاً على مصالح يمكن التوفيق بينها ، ولا على حدود يمكن أن يعاد تخطيطها . وإن الأمة المسلمة لتخدع عن حقيقة المعركة بينها وبين المشركين - وثنيين وأهل كتاب - إذا هي فهمت أو أفهمت أنها معركة اقتصادية أو معركة قومية ، أو معركة وطنية ، أو معركة استراتيجية . . كلا . إنها قبل كل شيء معركة العقيدة . والمنهج الذي ينبثق من هذه العقيدة . . أي الدين . . وهذه لا تجدي فيها أنصاف الحلول . ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات . ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح الجهاد الشامل والكفاح الكامل . سنة اللّه التي لا تتخلف ، وناموسه الذي تقوم عليه السماوات والأرض ، وتقوم عليه العقائد والأديان ، وتقوم عليه الضمائر والقلوب . في كتاب اللّه يوم خلق اللّه السماوات والأرض .
( واعلموا أن اللّه مع المتقين ) . .
فالنصر للمتقين الذين يتقون أن ينتهكوا حرمات اللّه . وأن يحلوا ما حرم اللّه ، وأن يحرفوا نواميس اللّه . فلا يقعد المسلمون عن جهاد المشركين كافة ، ولا يتخوفوا من الجهاد الشامل . فهو جهاد في سبيل اللّه يقفون فيه عند حدوده وآدابه ؛ ويتوجهون به إلى اللّه يراقبونه في السر والعلانية . فلهم النصر ، لأن اللّه معهم ، ومن كان اللّه معه فهو المنصور بلا جدال .
قوله تعالى : { إن عدة الشهور } ، أي : عدد الشهور ، { عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله } ، وهي المحرم وصفر وربيع الأول وشهر ربيع الثاني وجمادى الأول وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة .
وقوله تعالى : { في كتاب الله } أي : في حكم الله . وقيل : في اللوح المحفوظ . قرأ أبو جعفر : اثنا عشر ، وتسعة عشر ، وأحد عشر ، بسكون الشين ، وقرأ العامة بفتحها ، { يوم خلق السماوات والأرض } ، والمراد منه : الشهور الهلالية ، وهي الشهور التي يعتد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم ، وبالشهور الشمسية تكون السنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم ، والهلالية تنقص عن ثلاث مائة وستين يوما بنقصان الأهلية . والغالب أنها تكون ثلاثمائة وأربعا وخمسين يوما ، { منها أربعة حرم } ، من الشهور أربعة حرم وهي : رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، واحد فرد وثلاثة سرد ، { ذلك الدين القيم } ، أي : الحساب المستقيم . { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } ، قيل : قوله { فيهن } ينصرف إلى جميع شهور السنة ، أي : فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعاصي وترك الطاعة . وقيل : { فيهن } أي : في الأشهر الحرم . قال قتادة : العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم ، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن ، وإن كان الظلم على كل حال عظيما . وقال ابن عباس : فلا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن . قال محمد بن إسحاق بن يسار : لا تجعلوا حلالها حراما ، ولا حرامها حلالا ، كفعل أهل الشرك وهو النسيء . وقوله تعالى : { وقاتلوا المشركين كافة } ، جميعا عامة ، { كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } ، واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم . فقال قوم : كان كبيرا ثم نسخ بقوله : { وقاتلوا المشركين كافة } كأنه يقول فيهن وفي غيرهن . وهو قول قتادة ، وعطاء الخرساني ، والزهري وسفيان الثوري ، وقالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين ، وثقيفا بالطائف ، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة . وقال آخرون : إنه غير منسوخ : قال ابن جريج : حلف بالله عطاء بن أبي رباح : ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، إلا أن يقاتلوا فيها وما نسخت .
ولما تقدم كثير مما ينبني على التاريخ : الحج في غير موضع والأشهر وإتمام عهد{[36135]} من له مدة إلى مدته والزكاة والجزية ، وختم ذلك بالكنز الذي{[36136]} لا يطلق شرعاً إلا على ما لم تؤد زكاته ، وكان مشركو العرب - الذين تقدم الأمر بالبراءة منهم والتأذين{[36137]} بهذه الآيات يوم الحج الأكبر فيهم - قد أحدثوا في الأشهر - بالنسيء الذي أمروا أن{[36138]} ينادوا في الحج بإبطاله - ما غير السنين{[36139]} عن موضوعها الذي{[36140]} وضعها الله عليه ، فضاهوا به فعل أهل الكتاب بالتدين بتحليل أكابرهم وتحريمهم كما ضاهى أولئك قول أهل الشرك في النبوة والأبوة ، قال تعالى : { إن عدة الشهور } أي منتهى عدد شهور السنة { عند الله } أي في حكم وعلم الذي خلق الزمان وحده وهو الإله وحده فلا أمر لأحد معه { اثنا{[36141]} عشر شهراً } أي لا زيادة عليها ولا تغيير لها كما
تفعلونه في النسيء { في كتاب الله } أي كلام الملك المحيط بكل{[36142]} شيء قدرة وعلماً ، وحكمه{[36143]} الذي هو مجمع الهدى ، فهو الحقيق بأن يكتب ، وليست الشهور ثلاثة عشر ولا أكثر كما كان يفعل من أمرتكم بالبراءة منهم كائنين منة كانوا في النسيء { يوم } أي كان ذلك وثبت يوم { خلق{[36144]} السماوات والأرض } أي اللذين{[36145]} نشأ عنهما الزمان .
والمعنى أن الحكم بذلك كان قبل أن يخلق{[36146]} الزمان { منها } أي الشهور { أربعة حرم } أي بأعيانها لا بمجرد العدد { ذلك } أي{[36147]} الأمر العظيم والحكم العالي الرتبة في الإتقان خاصة { الدين القيم* } أي الذي لا عوج فيه ولا مدخل للعباد ، وإنما هو بتقدير الله تعالى للقمر ؛ روى البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يعني في حجة الوادع : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله{[36148]} السماوات والأرض ، السنة اثنا{[36149]} عشر شهراً ، منها أربعة حرم : ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " ولما بين الأمر سبب عنه قوله : { فلا تظلموا فيهن } أي الأشهر الحرم { أنفسكم } أي بسبب إنساء بعضها وتحريم غيره مكانة لتوافقوا العدد - لا العين - اللازم عنه إخلال كل منها بإيقاع الظلم فيه وتحريم كل من غيرها ، قال قتادة{[36150]} : العمل الصالح والفاسد فيها أعظم منه في غيرها وإن كان ذلك في نفسه عظيماً فإن الله تعالى لعظم من أمره ما شاء ؛ وقال أبو حيان{[36151]} ما حاصله : إن العرب تعيد{[36152]} الضمير على جمع الكثرة كالواحدة المؤنثة فلذا قال : " منها أربعة " أي من الشهور{[36153]} ، وعلى جمع القلة لما لا يعقل{[36154]} بنون جمع المؤنث فلذا قال { فلا تظلموا فيهن } أي في الأربعة .
ولما كان إنساؤهم هو لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال : { وقاتلوا المشركين كافة } أي كلكم في ذلك سواء ، في الائتلاف واجتماع الكلمة { كما يقاتلونكم كافة } أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة ، لا أنهاكم عن قتالهم في شهر منها ، فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها لقتال ولا غيره إن اتقيتم الله ، فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم وتضاعفت قواهم لأن الله يكون{[36155]} معكم { واعلموا أن الله } أي الذي له جميع العظمة معكم ، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعليقاً للحكم به وتعميماً فقال : { مع المتقين* } جميعهم ، وهم الذين يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم ، لا على النسيء ونحوه{[36156]} ، ومن كان الله معه نصر لا محالة .