في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ} (28)

26

ولكن أين الشركاء والشفعاء ? وكيف لم يعصموهم من دون الله ? هذه هي قصتهم في يوم الحشر العصيب :

( ويوم نحشرهم جميعا ، ثم نقول للذين أشركوا : مكانكم أنتم وشركاؤكم . فزيلنا بينهم . وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون . فكفى باللّه شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين . . هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ، وردوا إلى الله مولاهم الحق . وضل عنهم ما كانوا يفترون ) . .

هذه هي قصة الشفعاء والشركاء في مشهد من مشاهد القيامة ، مشهد حي أبلغ من الإخبار المجرد بأن الشركاء والشفعاء لن يعصموا عبادهم من الله ، ولن يملكوا لهم خلاصا ولا نجاة .

هؤلاء هم محشورون جميعا . . الكفار والشركاء . . وهم كانوا يزعمونهم شركاء لله ، ولكن القرآن يسميهم( شركاءهم )تهكما من جهة ، وإشارة إلى أنهم من صنعهم هم ولم يكونوا يوما شركاء لله .

هؤلاء هم جميعا كفارا وشركاء . يصدر إليهم الأمر :

( مكانكم أنتم وشركاؤكم ) . .

قفوا حيث أنتم . ولا بد أن يكونوا قد تسمروا في أماكنهم ! فالأمر يومئذ للنفاذ . ثم فرق بينهم وبين شركائهم وحجز بينهما في الموقف :

( فزيلنا بينهم ) . .

وعندئذ لا يتكلم الذين كفروا ولكن يتكلم الشركاء يتكلمون ليبرئوا أنفسهم من الجريمة . جريمة أن عبدهم هؤلاء الكفار مع الله ، أو من دون الله ، وإعلان أنهم لم يعلموا بعبادتهم إياهم ولم يشعروا ، فهم إذن لم يشتركوا في الجناية ، ويشهدون الله وحده على ما يقولون :

( وقال شركاؤهم : ما كنتم إيانا تعبدون . فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ} (28)

ولما بين سبحانه مآل الفريقين ، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله : { ويوم } أي و{[37859]} فرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم { نحشرهم } أي الفريقين : الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم { جميعاً } ثم يقطع{[37860]} ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم{[37861]} شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة ، بل يظهرون الخصومة ويبارزون{[37862]} بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى{ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده }[ يونس : 4 ] وإلى قوله{ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم }[ يونس : 18 ] والحشر : الجمع بكره{[37863]} من كل جانب إلى موقف واحد ؛وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله : { ثم نقول للذين أشركوا } أي بنا{[37864]} من لم يشارك في خلقهم ؛وقوله : { مكانكم } نقل أبو حيان{[37865]} عن النحويين أنهم جعلوه اسماً لأثبتوا ، ورد على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد{[37866]} ويجب أن يساوي بين الاسم والمسمى في التعدي واللزوم ، أي نقول لهم : قفوا وقوف الذل { أنتم وشركآؤكم } حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهارا لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيراً لهم ، فلا يمكنهم{[37867]} مخالفة ذلك .

ولما كان التقدير : فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة ، عطف عليه مسبباً عنه قوله : { فزيلنا } أي أزلنا إزالة كثيرة{[37868]} مفرقة ما كان { بينهم } في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار : ربنا هؤلاء الذين أضلونا ، وكنا ندعو من دونك { وقال شركاؤهم } لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق { ما كنتم } أي أيها المشركون ، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم { إيانا تعبدون } أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة إلى أنه لا يعبد {[37869]}إلاّ من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد{[37870]} وحده من غير شريك ، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها ، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلاً ولا يرضى بها جماد لو نطق ، فمتى{[37871]} نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلاً ، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد ، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلاً عن أن يخصنا بذلك ، والشخص يجوز له أن ينفي ما {[37872]}يظن نفيه{[37873]} ونحن لم نعلم شيئاً من ذلك .


[37859]:سقط من ظ.
[37860]:في ظ: تقطع.
[37861]:سقط من ظ.
[37862]:في ظ: يبادرون.
[37863]:من ظ، وفي الأصل: بكثرة.
[37864]:من ظ، وفي الأصل: بما.
[37865]:راجع البحر المحيط 5/151 و152.
[37866]:من ظ، وفي الأصل: يتعدد.
[37867]:في ظ: فلا تمكنهم.
[37868]:في ظ: كبيرة.
[37869]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37870]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37871]:من ظ، وفي الأصل: حتى.
[37872]:من ظ، وفي الأصل: نطق بفيه.
[37873]:من ظ، وفي الأصل: نطق بفيه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ} (28)

قوله تعالى : { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاءهم ما كنتم إيانا تعبدون 28 فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلون 29 هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } { نحشرهم } أي نجمعهم ، من الحشو وهو الجمع { جميعا } حال ؛ أي يحشر الله جميع أهل الأرض من جن وإنس ومؤمن وكافر ، أو بر وفاجر . فكلهم مجموعون لهذا الميقات الموعود من يوم القيامة في أرض المحشر . وحينئذ يقول الله للمشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى فعبدوهم { مكانكم أنتم وشركاءكم } { مكانكم } اسم فعل أمر بمعنى الزموا واثبتوا مكانكم . و { انتم } ، توكيد للمضمر في { مكانكم } و { وشركاؤكم } معطوف عليه كقوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة } {[1972]} والمراد بالشركاء هنا كل معبود للمشركين كيفما كان . سواء كان الأصنام أو الشياطين أو الملائكة أو عزيرا أو المسيح ابن مريم . قوله : { فزيلنا بينهم } { فزيلنا } ، أي فرقنا ، ومنه { تزيلوا } أي تباينوا وتفرقوا . وزيله ، فرقه . والمزايلة : المفارقة . والتنزيل ، معناه التباين{[1973]} والمعنى : فرقنا وقطعنا ما كان بين المشركين وما كانوا يعبدون من الشركاء . أو قطعنا ما كان بين الفريقين من التوصل ، وباعدنا بينهم بعد ما كان بينهم من الجمع في الموقف في الدنيا .

قوله : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ينطلق الله شركاءهم من الأصنام أو ما كانوا يعبدون ليقولوا لهم موبخين مبكتين موئسين : ما كنا نشعر بأنكم تعبدوننا ، وما أمرناكم بعبادتنا ؛ أي أن الشركاء سواء كانوا من الأوثان أو الشياطين أو غيرهم قد أنكروا عبادة المشركين إياهم وتبرءوا منهم ، كقوله : { سيكفرون بعبادتهم ويكونوا عليهم ضدا } وذلك لما ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم أو الأصنام التي عبدوها أنهم هم الذين أمروهم بعبادتهم ، فردوا مقالتهم ، بأنا ما أمرناكم بذلك ، وما كنا مشعر بعبادتكم هذه ؛ ولكنكم كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم .


[1972]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 411.
[1973]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 410 ومختار الصحاح ص 280.