في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (87)

71

وعقب هذا التميز ، وفي فترة الانتظار بعد الجولة الأولى ، وإيمان من آمن بموسى ، أوحى اللّه إليه وإلى هارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتاً خاصة بهم ، وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعداداً للرحيل من مصر في الوقت المختار ؛ وكلفهم تطهير بيوتهم ، وتزكية نفوسهم ، والاستبشار بنصر اللّه :

( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ، واجعلوا بيوتكم قبلة ، وأقيموا الصلاة ، وبشر المؤمنين ) . .

وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية . وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات ، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات . ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية ، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة ، تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة ، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة .

وهذه التجربة التي يعرضها اللّه على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة ، ليست خاصة ببني إسرائيل ، فهي تجربة إيمانية خالصة . وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي ، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت ، وفسد الناس ، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم اللّه إلى أمور :

اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها ، لتطهرها وتزكيها ، وتدربها وتنظمها ، حتى يأتي وعد اللّه لها .

اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد . تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي ؛ وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح ؛ وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (87)

ولما أجابوه إلى إظهار الاعتماد عليه سبحانه وفوضوا الأمور إليه ، أتبعه ما يزيدهم طمأنينة من التوطن في أرض العدو إشارة إلى عدم المبالاة{[38352]} به ، لأنه روي أنه كانت{[38353]} لهم متعبدات يجتمعون فيها ، فلما بعث موسى عليه السلام أخربها فرعون ، فأمر الله تعالى أن تجعل في بيوتهم لئلا يطلع عليهم الكفرة فقال تعالى عاطفاً على قوله : { وقال موسى } { وأوحينا } أي بما لنا من العظمة البالغة { إلى موسى وأخيه } أي الذي طلب مؤازرته ومعارضته { أن تبوءا } أي اتخذا { لقومكما بمصر } وهي ما بين البحر إلى أقصى أسوان والإسكندرية منها { بيوتاً } تكون لهم مرجعاً يرجعون إليه ويأوون إليه { واجعلوا } أي{[38354]} أنتما ومن معكما من قومكما { بيوتكم قبلة } أي مصلى لتتعبدوا{[38355]} فيها مستترين عن الأعداء تخفيفاً{[38356]} من أسباب الخلاف { وأقيموا الصلاة } أي بجميع حدودها وأركانها مستخفين ممن يؤذيكم جمعاً بين آلتي النصر : الصبر والصلاة ، وتمرناً على الدين وتثبيتاً له في القلب .

ولما كان الاجتماع فيما تقدم أضخم وأعز وأعظم ، وكان واجب على الأمة كوجوبه{[38357]} على الإمام جمع فيه ، وكان إسناده البشارة عن الملك إلى صاحب الشريعة أثبت لأمره{[38358]} وأظهر لعظمته وأثبت في قلوب أصحابه وأقر لأعينهم ، أفرد في قوله : { وبشر المؤمنين* } أي الراسخين في الإيمان من أخيك{[38359]} وغيره .


[38352]:من ظ، وفي الأصل: المعالاة.
[38353]:في ظ: كان.
[38354]:زيد من ظ.
[38355]:في الأصل: ليتعبدوا، وفي ظ: لتعبدوا.
[38356]:من ظ، وفي الأصل: تحقيقا.
[38357]:في ظ: لوجوبه.
[38358]:في ظ: لأمر.
[38359]:في ظ: لأخيه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (87)

قوله تعالى : { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين } أوحي الله إلى نبييه موسى وهارون { أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } أي اتخذا بيوتا . تبوأ المكان بمعنى اتخذاه مبوأ . كقوله : توطنه يعني اتخذاه موطنا . والمبوأ يعني المنزل . بوأه منزلا ؛ أي هيأه ومكن له فيه{[2023]} .

والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة والصلاة .

قوله : { واجعلوا بيوتكم قبلة } أي اجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها ؛ فقد ذكر أن بني إسرائيل كانوا لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم وكانت ظاهرة يراها جنود فرعون ، وكانوا لا يصلون إلا وهم خائفون ، فأمروا أن يتخذوا بيوتهم مساجد يصلون فيها . وقيل : اجعلوا بيوتكم قبلة ، يعني الكعبة .

قوله : { وأقيموا الصلاة } أي أدوا صلاتكم في بيوتكم بحدودها وفرائضها على وجهها الصحيح الأكمل .

قوله : { وبشر المؤمنين } أي بشر بني إسرائيل أن الله سيظهرهم على فرعون وملائه الظالمين الخاسرين . وقيل : الخطاب لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر المؤمنين الصابرين الطائعين بالمغفرة والرحمة وجزيل الثواب{[2024]} .


[2023]:مختار الصحاح ص 68 وتفسير الرازي جـ 17 ص 153.
[2024]:تفسير الطبري جـ 11 ص 107، 108 والبيضاوي ص 286 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 371- 373 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 428.