هذه الحجارة . . ( مسومة عند ربك ) . . كما تسوم الماشية أي تربى وتطلق بكثرة . فكأنما هذه الحجارة مرباة ! ومطلقة لتنمو وتتكاثر ! لوقت الحاجة . . وهو تصوير عجيب يلقي ظله في الحس ، ولا يفصح عنه التفسير ، كما يفصح عنه هذا الظل الذي يلقيه . .
( وما هي من الظالمين ببعيد ) . .
فهي قريبة وتحت الطلب ، وعند الحاجة تطلق فتصيب !
والصورة التي يرسمها السياق هنا لهذه النازلة التي أصابت قوم لوط هي أشبه شيء ببعض الظواهر البركانية التي تخسف فيها الأرض فتبتلع ما فوقها ويصاحب هذا حمم وحجارة ووحل وعند ربك للظالمين كثير ! ! !
ولا نقول هذا الكلام لنقول : إنه كان بركان من تلك البراكين ، ثار في ذلك الوقت ، فوقع ما وقع . إننا لا ننفي هذا . فقد يكون هو الذي وقع فعلا . ولكننا لا نجزم به كذلك ولا نقيد قدر الله بظاهرة واحدة مألوفة . .
وقوام القول في هذه القضية وأمثالها أنه جائز أن يكون في تقدير الله وقوع انفجار بركاني في موعده في هذا الموعد ليحقق قدر الله في قوم لوط كما قدر في علمه القديم . وهذا التوقيت والتوافق شأن من شؤون ألوهيته سبحانه وربوبيته للكون وتصريفه لكل ما يجري فيه متناسقا مع قدره بكل شيء وبكل حي فيه .
وجائز كذلك أن تكون هذه الظاهرة وقعت بقدر خاص تعلقت به مشيئة الله سبحانه لإهلاك قوم لوط على هذه الصورة التي تم بها في ذلك الحين . وفهم علاقة مشيئة الله بالكون على النحو الذي بيناه قريبا في التعليق على حادثة امرأة إبراهيم ، لا يبقى مجالا لمشكلة تقوم في التصوير الإنساني لمثل هذه الظواهر والأمور . .
{ مسومة } أي معلمة بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب من السيما والسومة{[39860]} وهي العلامة تجعل للإبل السائمة لتتميز إذا اختلطت في المرعى ، وفي الذاريات { حجارة من طين }{[39861]}[ الذاريات : 33 ] وذلك أن الحجارة أصلها تراب يجعل{[39862]} الله فيه بواسطة الماء {[39863]}قابلية للاستحجار{[39864]} كما جعل فيه قابلية التحول إلى المعدن من الذهب والفضة والحديد وغيرها ، فباعتبار أصله{[39865]} هو طين ، وباعتبار أوله حجر وكبريت ونار ، ولعل حجر الكبريت أثقل الحجارة مع ما فيه من قوة النار وقبح الريح ؛ ثم فخمها بقوله : { عند ربك } وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه وإليه وأنه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار رحمة لأمته التي جعلها خير الأمم وسيجعلها أكثر الأمم ، ولا يهلكها كما أهلكهم ؛ ومادة سجل - بأي ترتيب كان - تدور على العلو ، من الجلس لما ارتفع عن{[39866]} الغور وهو النجد ، ويلزم منه الغلظ والعلو ، ومن الغلظ الجلس للغليظ من الأرض والجمل الوثيق ، ويلزم العلو التصويب ومنه جلس - إذا قعد ؛ والسجل للدلو العظيمة ، ويكون غالباً في مقابلتها أخرى ، كلما نزلت واحدة طلعت الأخرى ، فتاتي المساجلة {[39867]}بمعنى المباراة والمفاخرة{[39868]} ، والسجل : الضرع العظيم{[39869]} ، والسجل - بالكسر وشد{[39870]} اللام : الكتاب لأنه يذكر فيه ما يكون به المفاخرة والمغالبة ؛ وسلج الطعام : بلعه ، والسلجان : نبات رخو ، كأنه سمي بذلك لأن أغصانه تأخذ{[39871]} إلى أسفل لرخاوتها ، وقد دل على هذا المعنى في هذه الآية بثلاثة أشياء : الإمطار ، ولفظ " على " ، وسجيل .
ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم{[39872]} وقعها ، حسن كل الحسن اتباع ذلك قوله : { وما هي } على شدة بعد مكانها { من الظالمين{[39873]} } أي من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان { ببعيد } لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل .
ذكر هذه القصة من التوراة : قال في السفر الأول بعد ما مضى في قصة بشرى إبراهيم عليه السلام : فأتى الملكان إلى سدوم عشاء ، وكان لوط جالساً على باب سدوم ، فنظر إليهما لوط فتلقاهما ، ثم خرّ على وجهه ساجداً على الأرض وقال : إني طالب إليكما يا سيدي ، اعدلا إلى منزل عبدكما فبيتا فيه واغسلا أقدامكما وبكرا فانطلقا في طريقكما ، فقالا : كلا ! ولكنا نبيت في السوق ، فألح عليهما لوط إلحاحاً شديداً فانصرفا معه ودخلا منزله فأعد لهما طعاماً ، ومن قبل وقت الهجوع إذا أهل القرية أهل سدوم قد أحاطوا بالباب من الشبان إلى المشايخ جميع الشعب بأسره ، فدعوا بلوط وقالوا له : أين الرجلان اللذان أتياك ممسيين{[39874]} أخرجهما إلينا فنعرفهما - وفي نسخة : حتى نواقعهما - فخرج لوط إليهم وأغلق الباب خلفه ، فقال لهم لوط : لا تسيئوا بي يا إخوة ! هذا لي بنتان لم يمسهما رجل ، أخرجهما إليكم فاصنعوا بهما ما حسن في أعينكم ، ولا ترتكبوا من هذين الرجلين شيئاً لأنهما ولجا ظلال بيتي ، فقالوا له : تنح عنا ، إن واحداً أتى ليسكن بيتنا فصار يحكم فينا{[39875]} ، فالآن نسيء إليك أكثر منهما ، فجاهد لوط القوم جداً فدنوا ليكسروا الباب فمد الرجلان أيديهما فأدخلا لوطاً إليهما إلى منزله ، ثم إن القوم الذين كانوا بالباب ضربوا بالعشى من كبيرهم حتى صغيرهم فأعيوا في طلب الباب ، فقال الملكان للوط : ماتصنع هاهنا ؟ اعمد إلى أختانك وبنيك وبناتك وجميع ما لك في هذه القرية فأخرجهم من هذه البلدة {[39876]}لأنا نريد الخسف بالبلدة{[39877]} لأن فعالهم وخبث صنيعهم قد بلغ الرب ، فأرسلنا الرب لنفسدها ، فخرج لوط وكلم أختانه وأزواج بناته وقال لهم : قوموا فاخرجوا من هذه القرية فإن الرب مزمع لخرابها ، وكان عند أختانه كالمستهزىء بهم ، فلما كان عند طلوع الصبح{[39878]} ألح الملكان على لوط وقالا له : قم فأخرج امرأتك وابنتيك اللتين معك لكيلا{[39879]} تبتلى بخطايا أهل هذه{[39880]} القرية ، فابطأ لوط فأخذ الملكان بيده وبيد امرأته وابنتيه{[39881]} لأن الله رحمه فأخرجاه وصيراه خارجاً عن القرية ، فلما أخرجاهم خارجاً قالا له : انج بنفسك ولا تلتفتن إلى خلفك ولا تقف{[39882]} في شيء من جميع القاع ، والتجىء إلى الجبل وخلص نفسك ، فقال لهما لوط : أطلب إليكما يا سيدي أن أظفر الآن لأن{[39883]} عبدكما {[39884]}برحمة ورأفة{[39885]} وكثرت{[39886]} نعماكما إليّ لتحيي{[39887]} نفسي ، لست أقدر أن أنجو إلى الجبل ، لعل الشر يرهقني فأموت ، وهذه القرية هي قريبة للهرب إليها وهي صغيرة ، أتأذنان لي بالهرب إليها لأنها حقيرة ، فلتحييا نفسي ، فقال له : قد شفعتك في هذا{[39888]} أيضاً فلا أقلب هذه القرية التي سألت ، أسرع فانج نفسك إلى هناك ، لأنا لسنا نقدر أن نعمل شيئاً حتى تدخلها ، ولذلك سميت تلك القرية صاغار - وفي نسخة : زغر - فشرقت الشمس على الأرض وقد دخل لوط صاغار ، وفي نسخة : زغر - فأهبط الرب على سدوم وعامورا ناراً وكبريتاً من بين يدي الرب {[39889]}من السماء{[39890]} فقلب{[39891]} هذه القرى والقاع{[39892]} بأسره ، وأهلك جميع سكانها وجميع من فيها وجميع نبت الأرض ، فالتفتت امرأته إلى خلفها لتنظر فصارت{[39893]} نصبة ملح ، فأدلج إبراهيم باكراً إلى الموضع الذي كان يقف فيه بين يدي{[39894]} الرب ؛ فمد بصره نحو سدوم وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا دخان القرية يرتفع كدخان الأخدود ، فلما خسف الله قرى القاع ذكر الله إبراهيم فأرسل لوطاً من المأفوكة إذ قلب الله القرى التي كان{[39895]} ينزلها لوط فطلع لوط{[39896]} من صاغار - وفي نسخة : زغر - فسكن الجبل هو {[39897]}وابنتاه معه لأنه{[39898]} تخوف أن يسكن صاغار ، فجلس في مغارة{[39899]} .
قوله : { مسومة عند ربك } أي معلمة ، من السيما وهي العلامة . وقد ذكر أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضيهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها ، فضما في جناحه فحواها وطواها في جناحه ، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب . وكانوا أربعة آلاف ألف . ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة ، ودمدم بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعها حجارة من سجيل{[2154]} .
قوله : { وما هي من الظالمين ببعيد } يعني ما الحجارة والتدمير من الظالمين في هذه الأمة ببعيد . وذلك ترهيب للذين يقارفون هذه الفاحشة الكريهة . فما تنزلق نفوس الشذاذ من الفساق إلى هذا المستنقع من الرجس حتى يوشك أن يحيق بهم ما حاق بقوم لوط . وقيل : الضمير { هي } للقرى التي أتى عليها التدمير والقلب وهي المؤتفكات أو قرى قوم لوط . فلم تكن هذه القرى ببعيد من كفار مكة ؛ إذ كانت في الشام وكان كفار مكة يمرون بها في أسفارهم .
وقد ذكر خبراء الآثار أن قرى وآثارا لسكان وأناسي غائرة في عمق البحر الميت ، وهي بحيرة لوط ، تسمية باسم القوم الذين انكفأت بهم الأرض ، فصار عاليهم سافلهم . وذلك ما تشهد به دراسة الآثار في بحيرة لوط عن هذه المسألة .
يثبت حد اللواط بما ثبت به حد الزنا . وذلك بالإقرار أو البينة ؛ وهي أن يشهد أربعة من العدول على حصول تمام الزنا .
على أن عقوبة اللواط موضع خلاف بين الفقهاء ؛ فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه ليس من حد في اللواط بل فيه التعزير على كل من الفاعل والمفعول به . واستدل على ذلك بالمعقول والنظر ، وهو أن اللواط ليس زنا لاختلاف الصحابة في عقوبته ؛ فقد روي عن أبي بكر الصديق أن عقوبته الإحراق بالنار . وهو قول علي . وقيل : عقوبته التنكيس من مكان مرتفع وإلحاقه بالحجارة زيادة في التنكيل . وقيل غير ذلك في عقوبته .
وقال أيضا إن اللواط ليس في معنى الزنا ؛ لأنه ليس سببا لإضاعة الولد واشتباه النساب كالحال في الزنا . ومن جهة أخرى فإن حصول اللواط نادر ؛ لأن النفوس تنفر منه وتشمئز . لكنه مع ذلك يجب فيه التعزير{[2155]} .
وذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وصاحبا أبي حنيفة إلى وجوب الحد في اللواط إن تحقق فيه شرط من عقل وبلوغ . فإن كان أحدهما صغيرا أو مجنونا وجب الحد على العاقل أو البالغ منهما . وفي ذلك أخرج البيهقي بإسناده عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتى الرجل الرجل ، فهما زانيان ، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ، ) وهذا يدل على أن اللواط ضرب من الزنا فيجب فيه من الحد ما يجب على الزنا . وهذا الصحيح الذي ينبغي اعتباره والأخذ به . وما ينبغي أن يعارض هذا باحتجاج أبي حنيفة المبني على النظر .
أما ماهية حد اللواط وكيفيته فثمة قولان في ذلك :
القول الأول : وهو أن حد اللواط كحد الزنا في المرأة من غير فرق ؛ فيجب فيه الجلد على البكر ، والرجم على المحصن ، وهو قول الشافعية في المعتمد من مذهبهم ، وكذلك الحنبلية في إحدى الروايتين عنهم . وقال بذلك صاحبا أبي حنيفة . واستدلوا على ذلك بالخبر : ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان } .
القول الثاني : وهو وجوب قتل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين أو ثيبين وهو قول المالكية والشافعية في قولهم الثاني . وهي الرواية الثانية للحنبلية وذلك لخبر : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) أخرج أبو داود عن ابن عباس . وكذلك ما أخرجه البيهقي بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وقع على الرجل فاقتلوه ) وسئل ابن عباس : ما حد اللواطي ؟ قال : ( ينظر أعلى البناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة ) .
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : ( السنة أن يرجم اللواطي أحصن أو لم يحصن ) .
أما لو كان الملتبسان غير مكلفين ، كأن يكونا صغيرين ؛ فإنه لا حد عليهما ، ولكنهما يؤدبان بمختلف وجوه التأديب ممل يكون لهما زاجرا ورادعا . ولو كان أحد مكلفا دون الأخر ، فإن كان المكلف هو الفاعل فقد وجب حده رجما أما لو كان المفعول به مكلفا دون الفاعل فلا رجم عليه ( المفعول به ) بل يؤدب الصغير غير المكلف ويعزز الكبير البالغ{[2156]} .