في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} (25)

22

( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ )

وهكذا يؤدي بهم ذلك الإنكار والاستهتار إلى حمل ذنوبهم وشطر من ذنوب الذين يضلونهم بهذا القول ، ويصدونهم عن القرآن والإيمان ، وهم جاهلون به لا يعلمون حقيقته . . ويصور التعبير هذه الذنوب أحمالا ذات ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا ! - فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور ، وهي تثقل القلوب ، كما تثقل الأحمال العواتق ، وهي تتعب وتشقي كما تتعب الأثقال حامليها بل هي أدهى وأنكى !

روى ابن أبي حاتم عن السدي قال : " اجتمعت قريش ، فقالوا : إن محمدا رجل حلو اللسان ، إذا كلمه الرجل ذهب بعقله ، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم ، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين ، فمن جاء يريده فردوه عنه . فخرج ناس في كل طريق فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد ، ووصل إليهم ، قال أحدهم : أنا فلان ابن فلان . فيعرفه نسبه ، ويقول له : أنا أخبرك عن محمد . إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم ، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له . فيرجع الوافد . فذلك قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم : ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : أساطير الأولين ) . فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد ، فقالوا له مثل ذلك قال : بئس الوافد لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل ، وانظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره . فيدخل مكة ، فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد ؟ فيقولون : خيرا . . " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} (25)

ولما كان الكتاب هو الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك ، وكان قولهم هذا صداً عنه ، فكان - مع كونه ضلالاً - إضلالاً ، ومن المعلوم أن من ضل كان عليه إثم ضلاله ، ومن أضل كان عليه وزر إضلاله - هذا ما لا يخفى على ذي عقل صحيح ، فلما كان هذا بيناً ، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات فكيف بالجليات ، حسن جداً قوله : { ليحملوا } فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم قطعاً وإن قالوا بألسنتهم غيره ، أو يقال : إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل أولى لهم منه - أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ما ليس لهم أولاً ، فعلى الثاني هم أجهل الناس ، وعلى الأول فإما أن يكونوا ظنوا أنهم يؤخذون به أو لا ، فعلى الثاني يكون الخلق سدى ، وليس هو من الحكمة في شيء ، فمعتقد هذا من الجهل بمكان عظيم ، وعلى الأول فهم يشاهدون كثيراً من الظلمة لا يجازون في الدنيا ، فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة ، ليجازى بها المحسن والمسيء ، وهذا أخف الأحوال المتقدمة ، ولا يخفى ما في الإقدام على مثله من الغباوة المناقضة لادعائهم أنهم أبصر الناس ، فقد آل الأمر إلى التهكم بهم لأنهم نُسبوا إلى علم الجهل خير منه { أوزارهم } التي باشروها لنكوبهم عن الحق تكبراً لا عن شبهة .

ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب الكبائر فكان التكفير مشروطاً بالإيمان ، وكان هؤلاء قد كفروا بالتكذيب بالكتاب ، قال تعالى : { كاملة } لا ينقص منها وزر شيء مما أسروا ولا مما أعلنوا ، لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من دون خلل في وصف من الأوصاف ، فهو أبلغ من " تامة " لأن التمام قد يكون في العدة مع خلل في بعض الوصف { يوم القيامة } الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه { و } ليحملوا { من } مثل { أوزار } الجهلة الضعفاء { الذين يضلونهم } فيضلون بهم كما بين أولئك الذين ضلوا { بغير علم } يحملون من أوزارهم من غير أن يباشروها لما لهم فيها من التسبب من غير أن ينقص من أوزار الضالين بهم شيء وإن كانوا جهلة ، لأن لهم عقولاً هي بحيث تهدي إلى سؤال أهل الذكر ، وفطراً أولى تنفر من الباطل " أول " ما يعرض عليها فضيعوها ؛ ثم استأنف التنبيه على عظيم ما يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيداً لهم فقال تعالى : { ألا ساء ما يزرون * } فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتاً على أبلغ وجه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} (25)

قوله : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ) اللام ، لام العاقبة ؛ لأنه لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، استحقوا هذه العاقبة الوخيمة . ونظير ذلك قوله تعالى : ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) فقد أودى بهم جحودهم وتكذيبهم إلى أن يبوءوا بسوء مصيرهم يوم القيامة ، وأن يحملوا أوزارهم ، وهي ذنوبهم ( كاملة ) غير مخففة ولا منقوصة .

قوله : ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) الأوزار ، جمع وزر بالكسر والتسكين ، ومعناه الإثم والثقل والحمل الثقيل{[2517]} ( ومن ) ، للجنس وليست للتبعيض ؛ فالذين يدعون إلى الضلال والباطل عليهم من الذنوب فوق ذنوبهم أنفسهم مثل ذنوب الذين أضلوا وأغووهم . قال ابن كثير في هذا المعنى : يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم ، وخطيئة إغوائهم لغيرهم ، واقتداء أولئك بهم كما جاء في الحديث : " من دعا إلى هدى ؛ كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . ومن دعا إلى ضلالة ؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .

قوله : ( بغير علم ) أي أن هؤلاء التابعين قد سقطوا في الضلالة والغواية وهم لا يعلمون أنهم ضالون .

وقيل : إن هؤلاء السادة والكبراء الذين يضلون أتباعهم من الناس إنما يضلونهم جهلا منهم بما يستحقونه من شديد العقاب عما جنوه من إضلال غيرهم ( ألا ساء ما ساء ما يزرون ) ألا ساء إثمهم الذي يأثمون والثقل الذي يتحملون . أو بئس ما يحملونه من وزر ثقيل . والمقصود من ذلك ، المبالغة في الزجر والتخويف{[2518]} .


[2517]:- القاموس المحيط جـ2 ص 159.
[2518]:- تفسير الرازي جـ 20 ص 18، 19 وتفسير البيضاوي ص 354 وفتح القدير جـ3 ص 156 وتفسير القرطبي جـ 10 ص 97.