في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (110)

104

وامضوا في طريقكم التي اختارها الله لكم ، واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم :

( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله . إن الله بما تعملون بصير ) . .

وهكذا . . يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر ، ومكمن الدسيسة ؛ ويعبىء مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم . . ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله ؛ ينتظرون أمره ، ويعلقون تصرفهم بإذنه . . وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة ، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة . ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (110)

ولما أمرهم بالثقة{[4416]} بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن لا يعوقهم عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم{[4417]} {[4418]}بالإعراض عن الغير أمرهم بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير{[4419]} مما{[4420]} اتصف به المهتدون في قوله تعالى :{ ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }[ البقرة : 2 ] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة الإلهية وتفريغ البال من جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول القدرة فاعلموا ذلك {[4421]}وثقوا به{[4422]} { وأقيموا الصلاة } {[4423]}التي هي مع كونها{[4424]} سنبتليكم{[4425]} في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه { وآتوا الزكاة } التي هي قرينة الصلاة ، فمن فرق بينهما {[4426]}فقد نسخ{[4427]} ما أثبت الله فاستحق القتال{[4428]} ليرجع عما ارتكب من الضلال ، {[4429]}وهي{[4430]} من أعظم نفقات المؤمنين إحساناً إلى الخلائق إن كنتم مصلين بالحقيقة ، فإن المال بعض ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا .

ولما كان قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا }[ البقرة : 104 ] وما بعده خطاباً للمؤمنين تحذيراً من كيد أعدائهم بالنهي عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعاً لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت " أل{[4431]} " مشيرة{[4432]} إلى الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال : { وما تقدموا لأنفسكم من خير } أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضاً ونفلاً { تجدوه } وزاد{[4433]} ترغيباً فيه بقوله : { عند الله } أي الجامع لصفات الكمال . فهو يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه{[4434]} بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ذلك من أمور الفضل .

ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيراً وقد لا يطلع عليه لكونه خفياً حقيراً قال مرغباً مرهباً : { إن الله }{[4435]} المحيط قدرة وعلماً{[4436]} { بما تعملون بصير } وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعاراً بالاستئناف للخير ليكون ختماً جامعاً . لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب{[4437]} لكان " إنه " ، وذلك لأن تجديد الإظهار يقع{[4438]} بمعنى رد{[4439]} ختم الخطاب على إحاطة جملته{[4440]} - قاله الحرالي{[4441]} . والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد{[4442]} علمه بحيثية ما تقدم من عمل الخير ؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي{[4443]} في أول شرحه لإيساغوجي{[4444]} : الغالب{[4445]} في المضمر إرادة المعنى الأول ، وأما حديث : إعادة{[4446]} الشيء معرفة{[4447]} .

فأصل يعدل عنه كثيراً للقرائن{[4448]} .


[4416]:من مد، وفي الأصل محرف غير واضح، وفي م: النقد، وفي ظ: الثقة
[4417]:في ظ: أمر
[4418]:ليست في ظ
[4419]:ليست في ظ
[4420]:في م: بما
[4421]:في مد: ويقوله
[4422]:في مد: ويقوله
[4423]:لما أمر بالعفو والصفح أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام: العبادة البدنية، والعبادة المالية، إذ الصلاة فيها مناجاة الله تعالى والتلذذ بالوقوف بين يدي الحق، وبالإحسان إلى الخلق. قال الطبري: إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود: راعنا، لأن ذلك نهى عن نوعه ثم أمر المؤمنون بما يحطه –البحر المحيط
[4424]:في الأصل فقط: كوننا، والتصحيح من بقية الأصول
[4425]:في مد: مستقبليكم
[4426]:في م: ننسخ- كذا
[4427]:في م: ننسخ -كذا
[4428]:في مد: النار
[4429]:في مد: فهي
[4430]:في مد فهي
[4431]:في م و ظ: أن
[4432]:في م: مسيرة
[4433]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: زاده
[4434]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: يربيه- كذا
[4435]:ليست في ظ
[4436]:ليست في ظ
[4437]:في الأصل: الكتاب، والتصحيح من م و ظ و مد
[4438]:من م، وفي مد: نفع
[4439]:في مد: رده
[4440]:في مد: جملته -كذا
[4441]:العبارة من هنا إلى "للقرائن" ليست في ظ
[4442]:في مد: تقييد، وفي البحر المحيط: وهذه جملة خبرية ظاهرة التناسب في ختم ما قبلها بها، تتضمن الوعد والوعيد، وكني بقوله {بصير} عن علم المشاهد، أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه ومن كان مبصرا لفعلك لم يخف عليه هل هو خير أو شر، وأتى بلفظ بصير دون مبصر إما لأنه من بصر فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان أو لأنه فعيل للمبالغة بمعنى مفعل الذي هو للتكثير قال بعض الصوفية: على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واثقا بأن ما تقدمه من صدق المجاهدات ستزكو ثمرته في آخر الحالات وأنشدوا: سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلقـــك ما تعلم وقدم الخير فكل امـــــرئ عــــلى الذي قدمه يقدم
[4443]:من م، وفي الأصل: الفزى، وفي مد: بن الغزى
[4444]:في م: لاتساغوجي.
[4445]:في م: الغالبه
[4446]:في م: أعاره، وليس في مد
[4447]:في م: معرفه
[4448]:زيد في مد: وقال الشيخ سعد الدين في المختصر في بحث التشبيه: فلم يأت بالضمير لئلا يعود إلى المشبه المذكور هو أخص، وما يقال إن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأول فليس على إطلاقه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (110)

قوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } هذان ركنان عظيمان من أركان هذا الدين تنبه إليهما الآية الكريم وهما : أن تقام الصلاة خير قيام من تمام التنفيذ وكمال الأداء حتى تكتمل فيها الصورة وافية من التكبير والقراءة والقيام والركوع والسجود والقعود ، وحتى يتحقق فيها الوعي والمضمون من خشوع وطمأنينة وإحساس تام بالخضوع والانقياد والتذلل لله وحده .

وكذلك أن تؤدى الزكاة ، يدفعها من يملك المال والنصاب إلى الذين يستحقونها من متكففين وعالة وذوي عوز وغير ذلك من وجوه مبينة مشروعة تؤدى فيها الزكاة ، وهاتان الفريضتان تتقدمان فرائض الإسلام ، وتحتلان مكان الصدارة من حيث الأهمية ، وهما يأتيان في طليعة الأعمال الكريمة التي سيجدها العامل أمامه بعد الموت . وسوف لا يجد إذ ذاك غير ما قدمه من خير الأعمال والأقوال والنوايا ، وما عدا ذلك من شؤون الدنيا ليس إلا متاعا تتلذذ به النفس حال الحياة حتى إذا جاء الأجل المحتوم ، باتت هذه المخلفات والرواسب التي يستمتع به الوارثون .

وجاء في الحديث أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " أيكم مال وارثة أحب إليه من ماله ؟ " قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثة . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ليس منكم من أحد إلا مال وارثة أحب إليه من ماله ، مالك ما قدمت ومال وارتك ما أخرت " .

وجاء في حديث آخر : " إن العبد إذا مات قال الناس : ما خلّف ، وقالت الملائكة : ما قدم " وهكذا يجد المرء ما قدمت يداه في دنياه من صالح القول والعمل ، يجد ذلك كله محتسبا له عند ربه من غير نسيان . والله سبحانه عالم بما صدر عن كل إنسان ، فلا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عن ملكوته من مثقال ذرة { إن الله بما تعملون بصير } {[113]} .


[113]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 69، 70 والكشاف جـ 1 ص 304 وتفسير النسفي جـ 1 ص 67، 68.