ثم يستطرد يقص على المسلمين من أحوال بني إسرائيل : إنهم فريقان . فريق أمي جاهل ، لا يدري شيئا من كتابهم الذي نزل عليهم ، ولا يعرف منه إلا أوهاما وظنونا ، وإلا أماني في النجاة من العذاب ، بما أنهم شعب الله المختار ، المغفور له كل ما يعمل وما يرتكب من آثام ! وفريق يستغل هذا الجهل وهذه الأمية فيزور على كتاب الله ، ويحرف الكلم عن مواضعه بالتأويلات المغرضة ، ويكتم منه ما يشاء ، ويبدي منه ما يشاء ويكتب كلاما من عند نفسه يذيعه في الناس باسم أنه من كتاب الله . . كل هذا ليربح ويكسب ، ويحتفظ بالرياسة والقيادة :
( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ، فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ، ثم يقولون : هذا من عند الله ، ليشتروا به ثمنا قليلا . فويل لهم مما كتبت أيديهم ، وويل لهم مما يكسبون ) . .
ولما ذكر سبحانه هذا الفريق الذي هو من أعلاهم كفراً وأعتاهم أمراً عطف عليه قسماً أعتى{[3244]} منه وأفظ لأن العالم يرجى لفته{[3245]} عن رأيه أو تخجيله بالحجاج بخلاف المقلد العاتي الكثيف{[3246]} الجافي فقال { ومنهم أميون }{[3247]} ويجوز أن يراد بهم من لا يحسن الكتابة ومن يحسنها وهو غليظ الطبع بعيد عن الفهم ، لأن الأمي في اللغة من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة وهو باق{[3248]} على جبلته وحال ولادته والغبي{[3249]} الجلف{[3250]} الجافي القليل الكلام ، فالمعنى أنهم قسمان : كتبة وغير كتبة ، وهم المراد بالأميين ، وهؤلاء مع كونهم لا يحسنون الكتاب يجوز أن يتعلموا القراءة تلقيناً{[3251]} ولا يفهمون المعاني ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم قسمان : علماء نحارير عارفون بالمعاني وجهلة غبيون لا حظ لهم من التوراة إلا القراءة الخالية عن التدبر المقرونة بالتمني{[3252]} ولذلك قال : { لا يعلمون الكتاب } أي بخلاف القسم الذي أكد فيه كونهم من أهل العلم .
ولما كان المراد سلب العلم عنهم رأساً أبرز{[3253]} الاستثناء مع كونه منقطعاً في صورة المتصل فقال : { إلاّ أماني } جمع أمنية{[3254]} ، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل ، ويقال إن{[3255]} معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن يتحقق له المعنى - قاله الحرالي . أي إن كانت الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم لا غيرها من جميع أنواعه . ولما أفهم ذلك أن التقدير ما هم {[3256]}ألا يقدرون تقديرات{[3257]} لا علم لهم بها عطف عليه قوله : { وإن هم إلا يظنون } تأكيداً لنفي العلم عنهم .
قوله تعالى : { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون } يصف بذلك فريقا من اليهود بأنهم أميون . ومفردها أمي وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ ، سمي بذلك ؛ لنسبته إلى الأمة الأمية وهي أمة العرب الذين كانوا في جاهليتهم الأولى لا يعرفون القراءة ولا الكتابة . وقد كان النبي نفسه ينتسب إلى هذه الأمة الأمية الذين كانت تلدهم أمهاتهم ، فيظلون من غير دراية بعلوم ولا تمرس بكتابة أو قراءة . وكذلك اليهود فقد كان فيهم فريق من الأميين الذين يجهلون كتابهم التوراة ، ولا يدرون ما فيه من الأخبار والمعاني ، ثم يسعون في الأرض ليتقولوا الكذب ويفتروا على الله الأباطيل ويزعموا أنها من عند الله وما هي من عند الله .
وقوله : { إلا أماني } جمع أمنية . وهي ما يتمناه المرء لنفسه . وهؤلاء ، لا علم لهم بالكتاب وهو التوراة ؛ لأنهم أميون . والاستثناء هنا منقطع . فالمعنى أنهم لا يعلمون عن التوراة شيئا إلا ما تسوله لهم أمانيهم وأحلامهم السقيمة أن الله يعفو عنه ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فضلا عن أحبارهم الذين يمنونهم أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة . وقيل : الأماني بمعنى التخريص واختلاق الكذب والافتراء . وهو قول ابن عباس . قوله : { وإن هم إلا يظنون } إن أداة نفي بمعنى ما . أي أن هؤلاء الكاذبين المفترين الذين { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } لا يتقولون ذلك إلا وهم في شك مما يقولون أي يعلمون أنهم كاذبون لا تقوم حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم إلا على الظن الفاسد الذي لا يغني شيئا والذي لا يلبث أن يتبدد أمام الصدق واليقين{[82]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.