وإن الإنسان ليعجب ، وهو يستعرض مع السياق القرآني هذه الضلالات ، وما تحمله أصحابها من أعباء وخسائر وتضحيات . . يعجب لتكاليف الانحراف عن شرع الله ونهجه ، تلك التي يتحملها المنحرفون عن صراط الله المستقيم . ولأثقال الخرافة والغموض والوهم التي يتبعها الضالون . ولأغلال العقيدة الفاسدة في المجتمع والضمير . . نعم يعجب للعقيدة المنحرفة تكلف الناس حتى فلذات أكبادهم ، فوق ما تكلفهم من تعقيد الحياة واضطرابها ، والسير فيها بلا ضابط ، سوى الوهم والهوى والتقليد . وأمامهم التوحيد البسيط الواضح ؛ يطلق الضمير البشري من أوهام الوهم والخرافة ؛ ويطلق العقل البشري من عقال التقليد الأعمى ؛ ويطلق المجتمع البشري من الجاهلية وتكاليفها ؛ ويطلق " الإنسان " من العبودية للعبيد - سواء فيما يشترعونه من قوانين ، وما يصنعونه من قيم وموازين - ويحل محل هذا كله عقيدة واضحة مفهومة مضبوطة ، وتصورا واضحا ميسرا مريحا ، ورؤية لحقائق الوجود والحياة كاملة عميقة ، وانطلاقا من العبودية للعبيد ، وارتفاعا إلى مقام العبودية لله وحده . . المقام الذي لا يرتقي إلى أعلى درجاته إلا الأنبياء !
ألا إنها الخسارة الفادحة - هنا في الدنيا قبل الآخرة - حين تنحرف البشرية عن صراط الله المستقيم ؛ وتتردى في حمأة الجاهلية ؛ وترجع إلى العبودية الذليلة لأرباب من العبيد :
( قد خسر الذين قتلوا أولادهم - سفها بغير علم - وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) . .
خسروا الخسارة المطلقة . خسروا في الدنيا والآخرة . خسروا أنفسهم وخسروا أولادهم . خسروا عقولهم وخسروا أرواحهم . خسروا الكرامة التي جعلها الله لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره ؛ وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد ؛ حين أسلموها لحاكمية العبيد ! وقبل ذلك كله خسروا الهدى بخسارة العقيدة ، خسروا الخسارة المؤكدة ، وضلوا الضلال الذي لا هداية فيه :
ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم ، وأشار إلى معانيها ، جمعها{[31395]} - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم{[31396]} فقال{[31397]} : { قد خسر } وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : { الذين قتلوا } قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة{[31398]} التكثير والباقون بالتخفيف { أولادهم سفهاً } أي خفة إلى الفعل المذموم وطيشاً{[31399]} ، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزاً .
ولما كان السفه منافياً لرزانة{[31400]} العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر ، قال مصرحاً بما أفهمه : { بغير علم } أي وأما من قتل{[31401]} ولده بعلم - كما إذا كان كافراً أو قاتلاً أو محصناً زانياً - فليس حكمه كذلك ؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه ، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال : { وحرموا ما رزقهم الله } أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم ، من تلك الأنعام والغلات ، بغير شرع ولا نفع بوجه { افتراء } أي تعمداً للكذب{[31402]} { على الله } أي الذي له جميع العظمة .
ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات : النفس بقتل الأولاد ، والمال بتحريم ما رزقهم الله ، فأفادهم ذلك خسارة الدين ، كانت نتيجته قوله : { قد ضلوا } أي جاوزوا{[31403]} وحادوا عن الحق وجاروا ؛ ولما كان الضال{[31404]} {[31405]} قد تكون ضلالته{[31406]} فلتة عارضة له{[31407]} ، وتكون الهداية وصفاً أصيلاً فيه ، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله : { وما كانوا } أي في شيء من هذا من{[31408]} خلق من الأخلاق { مهتدين * } أي لم يكن في كونهم وصف الهداية ، بل زادوا بذلك ضلالاً ؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه : حدثنا أبو النعمان حدثنا{[31409]} أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا سرك أن تعلم جهل{[31410]} العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً } - إلى قوله : { وما كانوا مهتدين } . وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال : سمعت أبا رجاء العطاردي يقول : كنا نعبد الحجر فإذا{[31411]} وجدنا حجراً{[31412]} أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر ، وإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة{[31413]} من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به ، فإذا دخل شهر رجب قلنا : منصل الأسنة ، فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب . {[31414]}
قوله تعالى : { قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } نزلت هذه الآية في فريق من المشركين العرب ممن كان يقتل الأولاد خشية الإملاق ، ويئد البنات لأجل الحمية ومخافة العار . لا جرم أن ذلك صنيع فاضح ومشين يصم هؤلاء السفهاء الفجار بالخسران والعار .
وقد ذكر القرطبي رواية في هذا الصدد تؤز القلب والمشاعر أزا ، وتقض الوجدان والأعصاب قضا . وتستنفر في النفوس بالغ الأسى والاتياع والأشمئزاز رواية في ظلم المشركين الجاهلين تطير لها القلوب والعقول ، وتقشعر لفظاعتها ونكرها النواصي والأبدان ، إذ قال : روي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مالك تكون محزونا ؟ " فقال : يا رسول الله ، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفر الله لي وإن أسلمت ! فقال له : " أخبرني عن ذنبك " فقال : يا رسول الله ، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل الناس فخطبوها ، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج . فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي ، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي ، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها . فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر . فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت ! أيش{[1289]} تريد أن تفعل بي ! فرحمتها . ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي . فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر يا أبت ، قتلتني . فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت . فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال : " لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك{[1290]} " .
قوله : { سفها بغير علم } سفها منصوب على المصدرية لفعل محذوف . وقيل : على الحال . وقيل : على أنه مفعول لأجله . والمعنى أنهم فعلوه من وأد وغيره لجهالتهم وخفة أحلامهم .
قوله : { وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله } المقصود بما رزقهم الله مما حرموه على أنفسهم هي البحائر والسوائب والوصائل والحوامي . فقد حرموا ذلك على أنفسهم اجتراء على الله بالباطل والكذب .
قوله : { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } أي ضاعوا عن صراط الله المستقيم . وهم في الأصل ليسوا من أهل الهداية بل من أهل الضلال{[1291]} .