إنه لا مجال هنا للمغالطة في الوزن ؛ ولا التلبيس في الحكم ؛ ولا الجدل الذي يذهب بصحة الأحكام والموازين . .
( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) . .
فقد ثقلت في ميزان الله الذي يزن بالحق . وجزاؤها إذن هو الفلاح . . وأي فلاح بعد النجاة من النار ، والعودة إلى الجنة ، في نهاية الرحلة المديدة ، وفي ختام المطاف الطويل ؟
ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى{ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط }[ الأنعام : 152 ] الآية إلى أن المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي ، والنص في قوله تعالى{ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها }[ الأنعام : 160 ] على قدرة القدير{[31960]} على ذلك ، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه ، أكد الأمر أيضاً وقصره على علمه هنا فقال : { والوزن }{[31961]} بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف{[31962]} الله في القلوب العلم به ، ولعله حال من نون العظمة في الآية التي قبلها ، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير{[31963]} بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي ؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه : " الوزن " مبتدأ { يومئذ } ظرف منصوب به { الحق } خبر{[31964]} المبتدأ ، زاد{[31965]} الأصفهاني فقال : واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل{ لا يحب الله{[31966]} الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم }[ النساء : 148 ] - انتهى . أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق ، يطابقه الواقع مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلاً ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة و{[31967]}لا نقصها ولا ما دون ذلك ، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب ، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث{[31968]} ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من أنزله{[31969]} على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع ، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع ، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب .
ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه ، تسبب عنه قوله : { فمن ثقلت } أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا { موازينه } أي موزونات أعماله ، أي أعماله{[31970]} الموزونة ، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى أن كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه { فأولئك } أي العالو الهمم { هم } أي خاصة { المفلحون* } أي الظاهرون بجميع مآربهم
قوله : { والوزن يومئذ الحق } الوزن مبتدأ مرفوع . ويومئذ خبره . والحق صفة للمبتدأ ( الوزن ) وقيل : خبر للوزن . ويومئذ ظرف للوزن{[1344]} .
والمراد بالوزن ، وزن أعمال العبد . وإنما يكون ذلك بالحق وهو العدل . وقيل : الوزن مصدر ؛ إذ تقول : وزنت كذا أزنه وزنا وزنة . ومعناه بذلك : أن الوزن يوم القيامة الحق وهو العدل .
قوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } الموازين جمع ميزان ، وهو المعروف والذي يوزن به . فيكون المعنى : أن الموازين تتقل بثقل ما يوضع فيها تبعا لحال الموزون له . فالمؤمن تثقل حسناته على سيئاته . وعكسه الفاسق فإنه تثقل سيئاته على حسناته . وقيل : الموازين جمع موزون ؛ فيكون المراد بالموازي الحسنات . فمن كثرت حسناته { فأولئك هم المفلحون } أي الفائزون بالنجاة والثواب الذين ظفروا بالخلود في جنات الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.