في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ} (168)

158

بعد هذا يمضي السياق يدعو الناس إلى التمتع بطيبات الحياة ، والبعد عن خبائثها ، محذرا من اتباع الشيطان ، الذي يأمرهم بالخبائث ، والادعاء على الله في التحليل والتحريم بغير إذن منه ولا تشريع ؛ ويحذرهم من التقليد في شأن العقيدة بغير هدى من الله ، ويندد بالذين يدعون من دون الله ما لا يعقل ولا يسمع . . وبهذا يلتقي موضوع هذه الفقرة بموضوع الفقرة السابقة في السياق :

( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، إنه لكم عدو مبين . إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون . وإذا قيل لهم : اتبعوا ما أنزل الله قالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا . أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ؟ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء . صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) . .

لما بين الله - سبحانه - أنه الإله الواحد ، وأنه الخالق الواحد - في الفقرات السابقة - وأن الذين يتخذون من دون الله أندادا سينالهم ما ينالهم . . شرع يبين هنا أنه الرازق لعباده ، وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام . . وهذا فرع عن وحدانية الألوهية كما أسلفنا . فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل . وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك .

وهنا يبيح الله للناس جميعا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالا طيبا - إلا ما شرع لهم حرمته وهو المبين فيما بعد - وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة ، وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا ، لأنه عدوهم ؛ ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير ، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل ؛ ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم ، دون أمر من الله ، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله . . كما كان اليهود مثلا يصنعون ، وكما كان مشركو قريش يدعون :

( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) . .

وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض - إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصا - يمثل طلاقة هذه العقيدة ، وتجاوبها مع فطرة الكون وفطرة الناس . فالله خلق ما في الأرض للإنسان ، ومن ثم جعله له حلالا ، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر ، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد . ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة ، واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق . . كل أولئك بشرط واحد ، هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ} (168)

ولما عجب سبحانه وتعالى من الضالين وبين من مآلهم{[6423]} ما يزجر مثله من له أدنى عقل{[6424]} فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن{[6425]} بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول{[6426]} ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيراً لهم بالنعمة وتودداً{[6427]} إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه{[6428]} نداً من البحيرة والسائبة والوصيلة{[6429]} وما شاكلها فقال { يا أيها الناس } وإن اختصرت فقل : لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال{[6430]} معطوف دال بعطفه{[6431]} على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد{[6432]} عذاب الضال{[6433]} أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق{[6434]} مستعطف منادياً لهم إلى تأبيد{[6435]} نفعهم قائلاً : { يا أيها الناس{[6436]} } {[6437]}أي كافة{[6438]} . وقال الحرالي : {[6439]}لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء{[6440]} القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء{[6441]} الأبدان من الأقوات ليتم بذكر{[6442]} النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني ، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهراً وقبوله باطناً ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا يقبل الله عملاً إلا بالورع الشافي " ؛ وكما قيل : ملاك الدين الورع ، وهلاكه الترف ، ونقصه السرف ؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت ، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال { يا أيها الناس } فانتظم بخطاب قوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى .

ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفاً بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال {[6443]}مبيحاً لهم ما أنعم به عليهم{[6444]} { كلوا{[6445]} } {[6446]}ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال{[6447]} : { مما في الأرض } أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية .

ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال : { حلالاً{[6448]} } قال الحرالي : وهو ما انتفى عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره ، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة ، أو في نفسه كلحم الخنزير ، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به ؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله : { طيباً } أي غير{[6449]} خبيث مستقذر{[6450]} ، {[6451]}والأصل فيه ما يستلذ ؛ ويوصف{[6452]} به على جهة التشبيه الطاهرُ لأن النجس تكرهه النفس لقذره{[6453]} ، والحلالُ{[6454]} لأن الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه . وقال الحرالي : الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى يطيب ، والطيب ما لا منازغ فيه - انتهى .

ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين{[6455]} قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال : { ولا تتبعوا } وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة{[6456]} لا يقدرون عليها ما داموا في هذه الرتبة { خطوات } جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي { الشيطان } أي طرقه{[6457]} في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب{[6458]} وتحليل الحرام كالميتات{[6459]} ، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله :{ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام }[ النساء : 119 ] الآية{[6460]} وهو من شطن إذا بعد ، وشاط إذا احترق ، فهو يبعدهم - كما قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم{[6461]} إلى التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى{[6462]} منها إلى المحرمات - انتهى{[6463]} . ثم علل{[6464]} ذلك بقوله : { إنه لكم عدو }{[6465]} بتكبره على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم{[6466]} { مبين * } أي {[6467]}ظاهر العداوة فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي .


[6423]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: مسايلهم
[6424]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: عقله
[6425]:من مد، وفي م: المدعي، وفي ظ والأصل: المدعن – كذا بالدال المهملة
[6426]:من ظ، وفي بقية الأصول: تناوله
[6427]:من م، وفي الأصل و ظ: تودوا، وفي مد: توددوا
[6428]:زيد في م: به.
[6429]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: الوسيلة – كذا بالسين؛ راجع سورة 5 آية 103.
[6430]:في م: دال؛ وليس في ظ
[6431]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: بعطف
[6432]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: بتأييد - كذا
[6433]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: القتال
[6434]:في ظ: مترقق
[6435]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: تأييد
[6436]:هذا ثاني نداء وقع في سورة البقرة بقوله "يا أيها الناس" ولفظه عام، قال الحسن: نزلت في كل من حرم على نفسه شيئا لم يحرمه الله عليه.... قيل: وبني مدلج حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسوائب والوصيلة والحام، فإن صح هذا كان السبب خاصا واللفظ عام والعبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، (ومناسبة هذا لما قبله) أنه لما بين التوحيد ودلائله وما للتائبين والعاصين اتبع ذلك بذكر إنعامه على الكافر والمؤمن ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الأنعام. وقال المروزي: لما حذر المؤمنين من حال من يصير عمله عليه حسرة أمرهم بأكل الحلال لأن مدار الطاعة عليه – البحر المحيط 1/ 428
[6437]:ليس في ظ
[6438]:ليس في ظ
[6439]:زيد في م "و"
[6440]:في م: عذاب.
[6441]:في م: غذاء، و ظ: عذا- كذا.
[6442]:في مد: بذلك و
[6443]:ليس في ظ
[6444]:وفي البحر المحيط 1/ 478: كلوا أمر إباحة وتسويغ لأنه تعالى هو الموجد للأشياء فهو المتصرف فيها على ما يريد.
[6445]:وفي البحر المحيط 1/ 478: كلوا أمر إباحة وتسويغ لأنه تعالى هو الموجد للأشياء فهو المتصرف فيها على ما يريد.
[6446]:ليست في ظ
[6447]:ليست في ظ
[6448]:قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره 1/ 477: الحلال مقابل الحرام ومقابل المحرم، يقال شيء حلال أي سائغ الانتفاع به وشيء حرام ممنوع منه، ورجل حلال أي ليس بمحرم، قيل وسمي حلالا عقد المنع منه، والفعل منه حل يحل بكسر الحاء في المضارع على قياس الفعل المضاعف اللازم، ويقال هذا حل أي حلال، ويقال حل بل على سبيل التوكيد، وحل بالمكان نزل به ومضارعه جاء بضم الحاء وكسرها، وحل عليه الدين حان وقت أدائه.
[6449]:من م و ظ ومد، ووقع في الأصل: مخير - خطأ
[6450]:وفي البحر المحيط 1/ 478: {طيبا} انتصب صفة لقوله {حلالا} إما مؤكدة لأن معناه ومعنى حلالا واحد وهو قول مالك وغيره، وإما مخصصة لأن معناه مغائر لمعنى الحلال وهو المستلذ وهو قول الشافعي وغيره، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث... وقال الزمخشري في قوله {طيبا}: طاهرا من كل شبهة، وقال السجاوندي: {حلالا} مطلق الشرع {طيبا} مستلذ الطبع. وقال في المنتخب ما ملخصه: الحلال الذي انحلت عنه عقدة الحظر إما لكونه حراما لجنسه كالميتة، وإما لا لجنسه كملك الغير إذ لم يأذن في أكله، والطيب لغة الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب كما أن الحرام يوصف بأنه خبيث، والأصل في الطيب ما يستلذ ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه لأن النجس تكرهه النفس، والحرام لا يستلذ لأن الشرع منع منه -انتهى
[6451]:العبارة من هنا إلى "لزجر الشرع عنه" في ظ
[6452]:في م: الوصف.
[6453]:من م ومد، وفي الأصل: لقذرة
[6454]:بعده بياض في م
[6455]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: المتدنبين
[6456]:في م و ظ ومد: كبيرة
[6457]:في ظ: طريقه.
[6458]:في م: كالشهوات، وليس في ظ
[6459]:ليس في ظ
[6460]:سورة 4 آية 119.
[6461]:العبارة من هنا إلى "انتهى" ليست في ظ
[6462]:في م: فتتداعى.
[6463]:وفي البحر المحيط 1/ 479 قال معناه الزمخشري: والنهي عن اتباع خطوات الشياطين كناية عن ترك الاقتداء به وعن اتباع ما سن من المعاصي، يقال اتبع زيد خطوات عمرو ووطئ على عقبيه إذا سلك مسلكه في أحواله.... وقيل ما ينقلهم إليه من معصية إلى معصية حتى يستوعبوا جميع المعاصي مأخوذ من خطو القدم من مكان إلى مكان
[6464]:تعليل لسبب هذا التحذير من اتباع الشيطان لأن من ظهرت عداوته واستبانت فهو جدير بأن لا يتبع في شيء وأن يفر منه فإنه ليس له فكر إلا في إرداء عدوه – البحر المحيط.
[6465]:ليست في ظ
[6466]:ليست في ظ
[6467]:ليست في ظ